اقتصاد | لا تُدار الدولة كما تدار شؤون المنزل – دليل الحاكم للحرص على الأرواح دون أن يخشى التضخم

مقال لوليد بسباس

رأي -تحليل – اقتصاد سياسي

تعترضنا في السنوات الأخيرة أخبار عجيبة. آخرها خبر العُقلة التي قامت بها وزارة المالية على[1] حسابات المؤسسة التونسية للأنشطة النفطية[2] وفي نفس السياق نقرأ أن تلك المؤسسة لديها ديون متخلّدة بذمّة مؤسسات عمومية أخرى وهو ما سبّب في تعميق أزمتها. نقرأ في مكان آخر أن الستاغ قطعت الكهرباء عن معاهد ومستشفيات ومنشآت عمومية أخرى[3] وحتّى أنّها قطعت الكهرباء عن 20 مؤسسة تربوية في جهة واحدة[4].

نسمع كذلك وزيرا يتحدّث عن الاقتراض بالعملة الصعبة من أجل سداد أجور الموظّفين[5] ورئيس حكومة يهدّد بإمكانية وصول البلاد إلى مرحلة عدم القدرة على خلاص أجور الموظفين[6] ووزير آخر في نفس الحكومة يطمئن المواطنين أنّ أجور شهري سبتمبر وأكتوبر متوفّرة ولا خوف عليها [7] كما لو أنّ إمكانية عدم خلاصها في الأشهر الموالية تبقى واردة…

في الحقيقة كانت حكومة “مكافحة الفساد” خير خلف لأتعس أسلاف في هذا الموضوع. فالتهديد بعدم خلاص الأجور بدأ منذ فيفري 2011، وهو شعار رفعته تقريبا جميع الحكومات مُذّاك… لا ندري هل نفرح أم نحزن لخروج محافظ البنك المركزي لينفي تماما تلك الإمكانية ويقول بالحرف الواحد: “لن يكون هناك مشاكل في خلاص رواتب الموظفين خلال كلّ الأشهر القادمة”[8] ولسان حاله يقول: ربّنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منّا…

كلّ طلبة السنة الأولى في علوم الاقتصاد يعلمون هذا: الدولة لا تفلس ولا تعجز عن خلاص الأجور! والمقصود هنا أيّ دولة ذات سيادة نقديّة لها القدرة على إصدار عملتها الخاصّة. إلاّ في حالات جدّ استثنائية مثل الأرجنتين التي سوّت بين البيزوس، عُملتها الوطنية، والدولار ففقدت عمليا السيطرة على عملتها. يمكن أن تعجز دولة ما على خلاص ديونها الخارجية بالعملة الصعبة، وهذا وارد. لكن أن تعجز دولة ما على خلاص موظّفيها، فهذا ضرب من المستحيلات لم يُذكَر في أيٍّ من كتب الاقتصاد، حتى أشدّها ليبرالية. وحتى خبراء نداء تونس نفوا تلك الإمكانية[9] -لمّا كانوا في المعارضة بطبيعة الحال.

كاد الأمر أن يكون ممتعا، وحتّى مضحكا، حين نرى حكّامنا الأكفّاء ومحاربي الفساد والتكنوقراط منهم يسقطون الواحد تلو الآخر في خطابات لا تُثبت في نهاية المطاف إلّا تشابههم في تبنّي نفس الايديولوجيا وأنْ لا بديل لهم عن اتبّاع “توصيات” صندوق النقد الدولي. لكن ما نلحظة في ما يخصّ الوضع الصحي لا يمكن إلاّ أن يبعث على القلق لما نراه من حكّام يخافون من ارتفاع نسب التضخم أكثر من ارتفاع عدد الأموات ويهابون تفاقم عجز الميزانية أكثر من عجز غالبية التونسيين عن النفاذ لأبسط الخدمات الصحية في هذه الفترة. وفي كلّ مرّة نسمع صرخة فزع من الطاقم الطبي هنا وهناك ولا مُجيب. وأصبح خبر الأموات في سيّارات الإسعاف التي تبحث دون جدوى عن قسم للإستعجالي يأوي مرضاها يمرّ علينا مرور الكرام.

سيبحث هذا المقال كيف أنّ الخطاب الذي يحمله هؤلاء الحكّام هو بعيد كلّ البعد عن أن يكون خطابا علميا رغم ما يمكن أن يظهر فيه من تماسك. وكيف أنّه في نهاية المطاف خطاب إيديولوجي يتمعّش من المعيش اليومي للإنسان وكيفية تصرّفه في ميزانيّته الخاصّة، بما يحمله من تناقضات بين الرغبة في الاستهلاك وشحّ المال و”السقوط” إلى التداين وتفاقم الشعور بالذنب بسبب ما يوصم به أولئك الذين ينفقون أكثر من مداخيلهم. خطاب يُسقط هاته الممارسة الفردية على كيفية إدارة الشأن العام.

وإن كان ثمّة هدف من هاته الأسطر، فهو إقناع القارئ بأنّ الدولة لا تُدار كما تُدار شؤون المنزل. فالدولة ليست مجبرة أن تنتظر تحصيل المداخيل الجبائية لتنفق. كما أنّ العجز في ميزانيّتها هو أمر عاديّ عبر التاريخ الحديث. إنّ الفعل السياسي ممكُنٌ لو خرجنا من بوتقة التكنوقراطية ومحاربة الفساد وملاحقة التهرّب الجبائي.

أخيرا: هدفي هو أن أقنع القارئ بأنّ أرواح الناس أهمّ من نسب التضخّم.

ترتكز أغلب الأفكار الموجودة هنا حول مواضيع العملة والتضخم والعجز في الميزانية على إطار نظري حديث نسبيا وهي النظرية النقدية الحديثة[10] (Modern Monetary Theory – MMT). هي مقاربة نقديّة للنظريات السائدة حول المالية العمومية، يمكن أن نصفها بما بعد الكاينيزيّة، وتبحث في تاريخ الممارسات المالية لتعزل الجانب الواقعي عن الجانب الإيديولوجي، خاصّة فيما يهمّ النقود-العملة[11].

1- تمهيد: مواطن الشغل و الثروة، المعادلة المغلوطة


ما إن تركن السيارة إلاّ و يأتي نحوك شابّ حاملا ما يشبه وصولات بيمينه و هراوة بيساره. أحيانا يكتفي بالهراوة. تدفع له صاغرا دينارا أو اثنين أو ثلاثة حسب بهرج المكان رغم قناعتك التامّة أنّه لن يحرسها. “بارك الله فيك خويا، ربّي يعينك!”. كثيرا ما تقول أنّك تدفع له ذلك المبلغ طواعية، فذلك الشاب على الأقل “يخدم على روحه” و بطبيعة الحال تصدّ تلك التهمة القائلة أنّك تدفع له خوفا من هراوته، أو على الأقل خوفا ممّا سيلحق بسيّارتك في غيابك. لكن في جميع الحالات النتيجة واحدة: خروجك مع العائلة أو الأصدقاء أو حتّى وحيدا.ة يخلق مواطن شغل. والجميل هنا أنّ موطن الشغل هذا خُلق من عدم ولا حاجة لأيّ مواطن به و لا قيمة اجتماعية له عدا تمكين شخص آخر من مدخول يسمح له بالعيش.

مواطن الشغل هذه ومثلها كثير ولا يقتصر على الموصومين بأوصاف الـ<<قُطعيّة>> و<<البانديّة>>. أو فلنقل أنّ القُطعيّة و البانديّة يمكن أن يتقدّموا لنا بأشكال وملابس قد توحي لنا بأنّهم أناس “محترمون”. فماذا نقول مثلا عن شخص مهمّته الوحيدة هي أن ينقل الأجر الذي تعمل من أجله شهرا كاملا من خزينة المُشغّل إلى خزينتك الخاصّة ويقتطع منها ما تيسّر من عمولة؟ كذلك لا يسمح لك بالإطّلاع على رصيدك إلاّ بعد تدفع له ثمنا لتلك الخدمة البسيطة، لكنّه يسوّق لها بأنّك مَدين له بوقته الثمين الذي خصّصه لذلك. لا شيء يجبرك أن تدفع لشابّ “الباركينغ” و لا شيء كذلك يجبرك على قبول أن تمرّ أموالك عبر البنكاجي. ومع ذلك فأنت تدفع صاغرا: خوفا من الهراوة أو خوفا من عدم التمتّع بتسهيلات عند نفاذ المرتّب آخر الشهر. و لا تظنُّنَ أنّ تلك التسهيلات هي من أموال البنك، فمثلما تُغمض الدولة عينيها كي لا ترى بلطجة شابّ المأوى، وتضمن له بذلك دخلا شهريّا يقيها شرّ ثوراته، فهي تمكّن بقوّة القانون ذلك البنك من خلق النقود[12] من العدم[13]. أو ببساطة تدفع لأن تصير الأمور بتلك الطريقة؛ وجدَتها على تلك الحالة و لا تتصوّر أصلا وجود بديل عنها.

شابّ الباركينغ، البنكاجي، السمسار، الهبّاط في سوق الجملة… يمكن أن نبحث أكثر وحتّى أن ننطلق من بعض الفرضيات: ماذا لوكانت الصحة مجانية؟ حينها ماهو الدور الذي يقوم به كلّ هؤلاء الموظفين بالصناديق الاجتماعية و التأمين على المرض؟ هذه المهن وغيرها التي تختلف التقييمات حول مكانتها الاجتماعية هي عبارة عن وساطات في سوق أكبر منها، إلى أن صارت أحيانا هي السوق نفسها و مكوّنا من المكوّنات الأساسيّة لما يُعَبَّر عنه بالاقتصاد الوطني. ليس المجال هنا لتناول هذه المهن تناولا أخلاقويّا، لكنّ المطلوب فقط هو التركيز على الميكانيزمات التي تُوجدُها وتُبقيها رغم محدوديّة وظيفتها الاجتماعية.

بكلّ بساطة، أن تكون “وسيطا” أو تحتلّ موقعا بيروقراطيّا هو في الواقع عملية إطالة لسلسلة القيمة المضافة. أنت لا تنتج شيئا و لا تساهم في دورة إعادة الانتاج. لستَ فلاّحا ولست حرفيّا ولست أستاذا ولا مهندسا ولا فنّانا ولا تنتج الغذاء أو الأثاث أو المعرفة أو الآليات أو المسرحيات. لستَ طبيبا أو ممرّضا أو عامل نظافة أو ميكانيكيّا تساهم في تواصل الحياة اللائقة للبشر وفي صيانة الأجهزة. لست ممّن يساهم في دوران الحياة في شريان البلاد، فلستَ عاملا في الميناء و لست سائق حافلة. لكنّ نشاطك يحتسب في تقارير البنك المركزيّ ضمن القيمة المضافة التي تتراكم يُمنة و يُسرة لتنتج ما يعبّر عنه بالناتج المحلّي الخام ويُقاس بتطوّره نموّ البلاد من عدمه. ولا فرق في حسابات الناتج المحلّي الخامّ بين مُنتِجٍ للحياة وسمسار.

إلاّ أنّ تلك النوعية من المهن مشروطة بوجود نشاطات أخرى فيها نوع من العرض والطلب لمنتوج ما. فشابّ الباركينغ لن يعيش إذا لم يكن هناك نشاط ترفيهي أو تجاريّ في الجوار، والبنكاجيّ نصّب نفسه وسيطا في العلاقة الشغلية، وسمسار العقارات والسيارات ينصّب نفسه عنصرا أساسيّا ليقابل العرض الطلب. وإدارات التأمين على المرض (العمومية أو الخاصّة) ترى نفسها عنصرا أساسيا في منظومة الصحة، وبصفة عامّة هذا حال أيذ جهاز بيروقراطي يسطو على عنوان وظيفة اجتماعية ليكون في الحقيقة معرقلا وظيفيّا لآداء تلك المهمّة. وغيرهم كثير -أشخاصا أو مؤسّسات- ممّن يخلقون لأنفسهم موقعا وسيطا بين طرفين ليحوّل بعضا من التدفّقات النقديّة إلى حسابه الخاصّ.

الخلاصة الأولى إذًا: ليست كلّ المهن خالقة للثروة بمعناها المتداوَل ولا يقتصر هذا التقييم على القطاع العامّ دون الخاصّ. لكن وجود الثروة أساسي ليتقاسمها الجميع. وليس كلّ من يخلقون ثروة حقيقية أو يساهم في إعادة إنتاج الثروة يحظون بمكانة اجتماعية تتناسب مع وظيفتهم الاجتماعية[14]. ومثلما قال أحدهم خلال فترة الحجر الصحي العالمية: إن تعلّمنا شيئا من هذه المدة هي أوّلا أنّ الاقتصاد ينهار ما إن يتوقّف عن بيع أشياء لا تصلح لشيء لناس غارقة في الديون، ثانيا من الممكن التقليص من حالة التلوّث، وثالثا فإنّ أقل الناس أجرة هي أكثرها ضرورة لتواصل الحياة[15].   

2- النقد قوام الأعمال

جزء كبير من الاقتصاد لا يخلق ثروة إذًا، وليس له أصلا علاقة بالثروة. لكنّه يتقاضى أجرا، أي بلغة أخرى يتقاضى حصّته من الثروة في شكل نقود وتكون هذه النقود مرادفا للثروة بما أنّها القادرة على جلب كلّ الثروات. لكن بنفس الطريقة التي نتساءل بها عن وجود الثروة الكافية التي يمكن أن نتقاسمها، يمكن أن نتساءل عن وجود الثروة النقدية الكافية ليتقاسمها الجميع. فحارس الباركينق و السمسار و البنكاجيّ و غيرهم ينتصبون على ضفاف بحيرة النقود الموجودة ليملؤوا قلالهم… لكن ماذا إن نضبت تلك البحيرة؟ أو ماذا إن لم تكفِ تلك البحيرة لتمتلئ جميع القلال؟ فالنقود ليست خضرا وغلالا أو نفطا أو فسفاطا أو ممرّات نظيفة وصحّة جيّدة أوعلما ومعرفة أو أغنية أو مسرحيّة… أي بلغة أخرى، النقود ليست نتاجا لنشاطات بشرية. فالكتلة النقديّة هي مُحدَّدة مسبقا من الدولة وتخلقها -أو بالأحرى تسمح بخلقها وفق قواعد محدّدة-  قَبل أيّ نشاط بشري بناءً على توقّعات حول مجريات الاقتصاد. بل أكثر من ذلك، فإنّ أحد أهمّ أهداف البنك المركزي هو التحكّم في الكتلة النقدية الموجودة في البلاد لمنع التضخّم.

هذه العلاقة بين مَواطن الشغل والكتلة النقدية تمّ تناولها منذ أزمات بداية القرن الماضي. اذ نصح جون ماينارد كاينز الحكومات بدفع أجرة للناس ليحفرو حفرا ثمّ يردموها في إطار ما سمّي بعدها بسياسات دفع الاقتصاد. المغزى من مقولة كاينز ليس حرفيّا بطبيعة الحال، لكنّه قال فكرتين في جملة واحدة: مواطن الشغل ليست بشرطه مرتبطة بخلق ثروة مباشرة (مثل أصدقائنا السمسارة و البنكاجيّة والبيروقراطيّين في جميع القطاعات وغيرهم من حارسي الباركينغات)، وكذلك وبالأخص أنَّ توفُّر مواطن الشغل مرتبط بوجود كميّة النقود المناسبة لتشغيل هؤلاء.

هذا التمثّل للعلاقة بين الكتلة النقدية وتوفّر مواطن الشغل ليس حكرا على المدرسة الكاينزية. فقد ابتدع اقتصاديّون ليبراليّون مفهوم الـ<<النايرو>> (NAIRU[16])، وهو حسب تعبيرهم الحدّ الأدنى لنسبة البطالة التي تضمن عدم ارتفاع نسبة التضخّم. أيّ أنّ الدولة إن حقّقت نسبة تشغيل عالية أكثر من اللازم ستتسبّب في ارتفاع نسبة التضخم، وهذه النسبة مرتبطة لدى الاقتصاديين الليبراليين بارتفاع حجم الكتلة النقدية. اذ أنّ الاقتصاديين الليبراليين، والذين دائما ما يجدون آذانا صاغية لدى المؤسسات المالية الدولية (أساسا صندوق النقد الدولي والبنك العالمي) التي تفرض سياسات التقشّف أينما مرّت بناءً على معادلاتهم، يعتمدون على النظريّة الكميّة[17] في تناولهم للمسألة النقديّة ومنها معادلة فيشر[18] التي تقول أنّ أيّ ارتفاع في الكتلة النقدية سيُحدث ارتفاعا في الأسعار، وبالتالي تضخّما في الاقتصاد. بطبيعة الحال شهدت هذه النظرية بعض المراجعات وتطوّرت بعض الشيء لكنّ الممارسات التي انبنت على أساسها لم تتغيّر كثيرا، وخير دليل على ذلك هو بيانات صندوق النقد الدولي التي سنراها لاحقا.

تقول هذه النظرية في جوهرها أنّ النقود محايدة في الاقتصاد، أي أنّ ارتفاع حجم الكتلة النقدية أو انخفاضها ليس له مفعول إلّا على الأسعار بارتفاعها أو انخفاضها بنفس النسبة، ولا دور آخر لها ولا يمكن أن يكون لها تأثير إلّا على المدى القصير. وبطبيعة الحال من الهواجس الكبرى للرأسماليّين عدم ارتفاع نسب التضخّم كي لا تفقد ثرواتهم المالية من قيمتها. غير أنّ كاينز يقول عكس ذلك. اذ أنّه يعتبر أن ارتفاع الكتلة النقديّة لا يُحدث تضخّما إلاّ في حالة اقتصاد يُشغّل بالكامل كافّة طاقته الانتاجية، أو بتعبير آخر في حالة تشغيل كامل. وينفي كاينز الطرح القائل بحياد النقود، اذ أنّ لها مفعول مباشر على الاقتصاد. فما على الدولة إذا إلّا خلق السيولة النقدية اللازمة لتنشيط الإقتصاد.

كخلاصة لهذه النقطة، فإنّه حتى و إن ينفي البعض إمكانية نجاح سياسات دفع الاقتصاد اليوم عبر ضخّ السيولة، فإنّ التجارب التاريخية العديدة أثبتت أنّ خلق العملة هو بالتأكيد أداة بيد الدولة. والأكيد أنّ نقص النقود يخلّف نقصا في مواطن الشغل المتاحة. وفي ظلّ مجتمعات تربط المداخيل بالشغل و تُضفي قيمة أخلاقية للعمل، فإنّ النقص في مواطن الشغل هو تفقير للناس وإحالتهم على الهشاشة المعيشية. وهنا نقف أمام العوائق الإيديولوجية للعصر: فلمّا نطالب الدولة بأن تنفق لخلق مواطن الشغل والقضاء على الهشاشة، نواجه أسلوبين من الحجاج المضادّ: الاوّل هو “من أين ستأتي الدولة باالنقود؟ فنحن دولة فقيرة!!” والثاني يُقرّ بأنّ الأموال اللازمة موجودة لكنّ استعمالها سيدخلنا في دوّامة من التضخّم و\أو التداين.

3- من أين تأتي النقود؟

تُعلّمنا المدرسة  وأخبار الثامنة والصور المتحرّكة وروايات العروي بأنّ السلوك المثالي للإنسان هو الاقتصاد في أمواله وتجنّب التبذير والاعتماد على الادّخار لقضاء شؤونه وما إلى ذلك من “قواعد حسن التصرّف”. لكنّ تصوّروا لوهلة أنّ يتصرّف الجميع بهذه الطريقة، فنقتصد في شراء الملابس، ونتناول وجباتنا في منازلنا لا في محلّات الأكلة الخفيفة، ونكتفي بتنظيم لقاءاتنا وسهراتنا في منازلنا لا في الحانات والمقاهي، وأن نخبز خبزنا بأيدينا عوض شرائه من المخابز… إذا عمّمنا هذا السلوك العقلاني على المستوى الفردي فإنّ هذا التعميم سيتحوّل إلى كارثة في ظلّ التنظيم الحالي للإقتصاد ويتسبّب في إفلاس جزء كبير من الاقتصاد. بلغة أخرى، ما نراه عقلانيا وأخلاقيا على المستوى الفردي ليس بشرطه عقلانيا على مستوى المجموعة.

الّا أنّ المناخ الفكري السائد يُصرّ على أن نتمثّل تسيير الدولة مثلما ندير شؤون منازلنا: لا نضع أموالنا في ما لا يعني و ندّخر ما استطعنا ولا ننفق أكثر من مداخيلنا. كذلك على الدولة ألاّ تُنفق أكثر من مداخيلها، ومداخيل الدولة هي أساسا ما تجمعه من الضرائب و بدرجة أقل من نشاطات المؤسسات العمومية والمداخيل البيروقراطية اليومية. هذا التمثل مجانب للواقع، تاريخيا وأنثروبولوجيّا، خصوصا بالنسبة للبلدان ذات السيادة النقدية، أي البلدان التي تملك سلطة إصدار عملتها الخاصّة. يقول عالم الإنسيّة دافيد قرايبر[19] أنّ في البداية كانت حاجة الحكام لتموين جنودهم في المناطق البعيدة، فأصدروا قطعا نقديّة بصورهم لجنودهم ليستطيعوا شراء حاجياتهم من مأكل وملبس. إلا أنّ الأهالي في تلك المناطق لم يكن لهم أيّ سبب مقنع لقبول تلك القطع النقدية مقابل بضاعتهم، فلا قيمة لهاته القطع لديهم. فالتجأ الحكّام إلى فرض ضريبة على هؤلاء الأهالي، ضريبة تُدفع بالعملة التي يصدرها الحاكم. وهنا يصبح لتلك النقود رواج وقيمة لدى أهالي تلك المناطق. بنفس المنطق، فرضت القوى الاستعمارية قديما ضريبة على سكان المناطق المُحتلّة تُدفَع بنفس العملة التي تصدرها تلك القوى، ممّا يسهّل نهب ثروات تلك المناطق. الضرائب تُعطي رواجا للنقود. “Taxes drive money”.

نرى في هاته الأمثلة أنّ إنفاق الدولة يسبق جمعها للضرائب. وحتّى في العهود الحديثة فإنّ الدول\الحكّام، مع ظهور العُملة الإئتمانية[20]، وتعدّد البنوك التي تصدر عملاتها الخاصّة، ظهرت الحاجة إلى بنك مركزيّ ينظّم “القطاع”، أي قطاع إصدار النقود[21]. وصار البنك المركزي في كلّ مكان تواجد فيه يحتكر فيه تلك العمليّة. وصارت الحكومات تتوجّه إلى البنك المركزي بسنَدات يقرضها على أساسها المبلغ المطلوب، وتُعتبر تلك السندات إعترافا من الحكومة بالديْن تجاه البنك المركزي. إذا، من عدم، وفقط بناء على حاجة الدولة إلى مبلغ معيّن، قام البنك المركزي بخلق مبلغ من النقود وتمّ ضخّه في شرايين الاقتصاد. ولأنّه لا شيء يمنع الحكومة من إقراض نفسها بهذه الطريقة، فقد وقع الالتجاء إلى الحدّ من سلطتها عبر منع عمليّات الاقتراض المباشر من البنك المركزي وفرض حتميّة المرور عبر البنوك التجارية.

لكن مع هذا، لم تتوقّف عمليات خلق النقود، لكن ما تغيّر هو أنّ هذه العملية مرتبطة حصريّا بالقروض التي تُصدرها البنوك التجارية. فسندات الديْن العمومية التي تقدّمها الدولة إلى البنوك التجارية، وكذلك سندات الدين المصاحبة للقروض للعموم أو للشركات الخاصّة تعادلها عمليّة خلق نقديّة. فالبنك التجاري مطالَب بتوفير تلك الاموال (إما للدولة أو للقطاع الخاص أو للعموم). وعلى عكس ما يدور في المخيال العام عن أنّ البنوك التجارية تُقرض من خزائنها الخاصّة أو من مدخّرات حرفائها[22] فإنها تتقدّم بدورها إلى البنك المركزي بسندات ديْن ليوفّر لها السيولة اللازمة. ما حُرّم على الدولة صار حلالًا بالنسبة للبنوك التجارية. وصارت عملية خلق النقود حكرا -بصفة غير مباشرة- للبنوك التجارية. هذه التطوّرات جاءت أساسا لمنع الدولة من هامش من المرونة في تنظيم المالية العمومية لأنّها مُذنبة حتى تثبت براءتها بتسبّبها في ارتفاع نسب التضخم بإسرافها ولامسؤوليّتها في استعمال خزينة البنك المركزي.

لكن ما يهمّنا هنا هو التالي: الكتلة النقديّة ليست كتلة مستقِرّة، وهي تكبُر عبر خلق النقود بالقروض التي تقدّمها البنوك التجاريّة، وتنخفض عبر إلغاء النقود حين تسديد تلك القروض أو عبر الضرائب[23]. إذًا فقدت الدولة القدرة على خلق النقود، أو على الأقل فقدت المرونة اللازمة لخلق النقود والترفيع في حجم الكتلة المالية ولم تحافظ إلاّ على أداة وحيدة، وهي التخفيض في الكتلة النقدية عبر الضرائب. وحاليّا تحتكر البنوك التجاريّة هذه العملية وتدرّ عليها الأرباح لكن لا قانون يفرض عليها ألاّ تُقرض إلاّ ما تمتلكه في خزينتها، بل تتمتّع بكامل حريّة الانتفاع بما تدُرُّه هذه العملية من أرباح، خاصّة حينما تكون نسبة الفائدة عالية مثلما الحال في تونس في السنوات الأخيرة.  

4- فرض سياسات التقشف بقوة القانون وقوّة الآليات الاستعمارية


إذًا يتميّز عصرنا بالعراقيل التي يَضعُها للدولة في أن تتصرّف بمرونة في عمليات خلق النقود والاقتراض. آخر هذه العراقيل القانونية في تونس هو القانون المنظم للبنك المركزي في 2016، الذي يقول صراحة في فصله السابع أنّ الهدف الرئيسي للبنك المركزي هو الحفاظ على استقرار الأسعار ولا يعطي أيّ امتياز خاص للسندات العمومية. ومنذ تلك اللحظة يتمّ التعامل مع الدولة كما يتمّ التعامل مع أيٍّ من المتعاملين في الاقتصاد من شركات خاصّة ومن أشخاص. أخيرًا اذن تتقابل الصورة الايديولوجية مع الصورة القانونية والممارسات المفروضة على الدولة: إدارة شؤون الدولة هي نفسها إدارة شؤون المنزل فتصير ميزانية الدولة كما ميزانية الأجير: مداخيل و نفقات على أساس تلك المداخيل، وعلى نفقات الدولة ألاّ تتجاوز مداخيلها المتأتية أساسا من الضرائب. وكما قالت “الرفيقة” مارغرت تاتشر في 1983: ليس هناك أموال عمومية، بل لا يوجد إلاّ أموال دافعي الضرائب[24]. و ما على الدولة إلاّ حسن التصرّف فيها.

من ناحية أخرى، يفرض صندوق النقد الدولي على الدولة التونسية شروطا مباشرة تتعلّق بالميزانية لتمكينها من النفاذ إلى دعمه عبر القروض التي يُسديها. فعجز الميزان التجاري وحجم المديونية السابقة يحتّمان على الدولة التونسية اقتراض المزيد لتغطية حاجياتها، فتسقط بين أيدي صندوق النقد الدولي. وهو الذي أتى سابقا بآلية برنامج الإصلاح الهيكلي خلال أزمة المديونية الأولى التي عاشتها بلدان الجنوب في أوائل الثمانينات، ويأتي اليوم في إطار “تسهيل الصندوق المُمَدَّد” حاملا مع حفنة الدولارات حزمة من الشروط يجب تنفيذها ويتمّ معاينة ذلك دوريّا قبل صرف كلّ قسط من الأقساط[25]. ويختم البلاغ المصاحب لهذا الاتفاق بإحدى تعبيراته الملتوية بقوله أنّ “من شأن انتهاج سياسة رشيدة على مستوى المالية العامة تضع الدين العام على مسار هبوطي أن يساعد على تخفيف الضيق في أوضاع التمويل والحدّ من الاختلالات الخارجية وضمان الاستمرارية”.

لأنّنا ننسى أحيانا أن سبب الداء هو نفسه: المديونية. وهنا نتحدّث عن المديونية الخارجية. ليس هنا المجال لسرد تاريخية تفاقم المديونية التونسية منذ بدايتها في الستينات لتعويض “المُعمِّرين” فيما يُعبَّر عنه بـ”الجلاء الزراعي” ولا عن تصدير بلدان الشمال لفوائضها في شكل قروض لبلدان الجنوب في نفس الفترة، وسقوط هاته الأخيرة في فخّ نسبة الفائدة الضعيفة والتي ارتفعت فجأة في أواسط السبعينات مُخَلِّفَةً أزمة الديون في تقريبا كامل بلدان الجنوب في بداية الثمانينات، ممّا فتح الباب إلى دخول صندوق النقد الدولي وغيره من المؤسسات الدولية لإجراء الإصلاحات الهيكليّة. فبالطبع، بالنسبة لهم -وأيضا لحكّامنا- نحن المتسبّبون الأوّلون في تفاقم مديونيّتنا! نحن الذين لم نتصرّف برشد في المالية العموميّة وبذّرنا وعشنا فوق طاقتنا لمدّة عشرات السنين! حان الوقت الآن لدفع الثمن! سيمكّننا سماحة صندوق النقد الدولي من القروض اللازمة لتغطية عجز ميزاننا التجاري، لكن علينا تنفيذ “نصائحه”. فنحن مذنبون ولا مجال لنا أن نرفع صوتنا بالرفض!

ولا أجمل من تقرير وفد صندوق النقد الدولي في جولته الأخيرة[26] في ربوع هذا الوطن العزيز، حيث أقرّوا أنّه “من الضروري تحقيق المستوى المستهدَف لعجز الميزانية، ومقداره 3,9% من إجمالي الناتج المحلي لعام 2019، لإبطاء تراكم الدين العام الذي وصل إلى 77% من إجمالي الناتج المحلي مع نهاية عام 2018. وسيتطلب هذا استمرار الأداء القوي فيما يتعلق بتحصيل الضرائب والمتأخرات الضريبية، مع اتخاذ إجراءات إضافية لاحتواء النفقات الجارية، بما في ذلك استمرار العمل على الوصول بفاتورة الأجور[27] ودعم الطاقة إلى مستوى أكثر اعتدالا، في ظل ارتفاع أسعار النفط الدولية. كذلك يدعم خبراء الصندوق الجهود الجارية من جانب السلطات التونسية لتقوية شبكات الأمان الاجتماعي لصالح الأسر منخفضة الدخل. وينبغي أن تظل السياسة النقدية موجهة نحو تخفيض التضخم الذي يقلص القوة الشرائية للمواطنين، بينما يمكن لمرونة سعر الصرف أن تدعم التحسن في الحساب الجاري والاحتياطيات الدولية.” الثلاثي المقدّس: الديْن، العجز، التضخم.

الفكرة الأساسيّة التي تقود التمثل الليبرالي لميزانية الدولة هي إذًا: مداخيل الميزانية الدولة تتأتّى أساسا من الضرائب ولا مجال لتسهيلات في الميزانية يقدّمها البنك المركزي ويتمّ التعامل مع الدولة كأيّ جسم اقتصادي وعلى الدولة التصرّف “بحكمة” وتروٍّ وعدم استسهال الذهاب إلى حلّ التداين وخلق عجز في الميزانية.

5- جمع الضرائب من أجل الإنفاق ممارسة تجاوزها الزمن

نسمع كثيرا ونقول كثيرا أنّ على الدولة أن تأخذ الأموال أينما تُوجَد، أي بلغة أخرى من جيوب الأغنياء ورؤوس الاموال الكبار. هي فكرة جيّدة من دون شكّ، لكن ليس للهدف المنشود. فكما رأينا من البداية أنّ الضرائب لم تُخلَق أساسا لتوفير مداخيل للدولة. كذلك فإنّ توفير مواطن شغل كافية للجميع يحتّم وجود كتلة نقدية كافية في البلاد كي يستطيع الجميع تقاسمها. ففكرة فرض ضريبة عالية على الأثرياء في منظومة رأسمالية “المَضْبَعَة” في الحالة التونسية يمكن أن تنجح سنة أو بعضها. لكن سرعان ما ستتحوّل موازنات كل الشركات إلى موازنات خاسرة وسيصادق عليها أعتى الخبراء المحاسبين. أو ينقل أثرياؤنا مشاريعهم إلى الموازي… إلخ… فنحن على ثقة تامّة في قدرتهم على إيجاد الحلول. لكنّ، حتى وإن نجحت عملية فرض الضريبة، فإنه يبقى لنا إشكال نظري: الدولة لن تنفق إلاّ ما جمعته عبر الضرائب في وقت أنها يجب أن تنفق ونصب عينيها أولوية توفير مواطن شغل تضمن تقاسم “الثروة النقدية” للجميع.

لكن هل سنكون أكثر ملكيّين من الملوك أنفسهم؟ ففي خطاب له أمام الجمعيّة الأمريكية للمحاماة عند نهاية الحرب العالمية الثانية، أكّد محافظ البنك الفيديرالي الأمريكي[28] باردسلاي رومل أن استعمال الضرائب من أجل جمع المداخيل آلية عفى عليها الزمن[29]. فهو لاحظ أنّ أغلب البلدان، منذ قطعت علاقة عملتها بالذهب، تمكّنت من أداء التزاماتها رغم أنّ مداخيل الضرائب لم تكن كافية ليستنتج أنّ <<التحرّر المطلق من السوق المحلّي للعملة متوفّر لكلّ دولة ذات سيادة وأين يوجد بها مؤسسة تحلّ محلّ البنوك المركزية الحديثة وأين لا ترتبط عملتها بسعر تبادل محدّد مع الذهب أو ما يحلّ محلّه>> لكن <<تبقى الضرائب ضرورية لأسباب أربعة وهي: أوّلا كآلية نقديّة لضمان استقرار القدرة الشرائية للعملة، ثانيا لإعادة توزيع الثروة، ثالثا لتنفيذ سياسة الدولة عبر رفع سقف الضرائب بالنسبة لمجموعات أو نشاطات معيّنة وأخيرا لضمان مداخيل مباشرة لبعض صناديق الدولة أو بعض البرامج.>>. بطبيعة الحال، لا يعني هذا أن نتخلّى عن الضرائب. فقط أن الإنفاق لا يجب أن يرتبط أساسا بما يتمّ جمعه من الضرائب.

لكن الإشكال الأساسي هنا فيما يخصّ جمع الضرائب من أجل الإنفاق هي رفع شعارات من نوع محاربة الفساد و\أو محاربة التضرّب الضريبي إلى مرتبة شعارات وبرامج سياسية. كمن يرفع شعار محاربة الإجرام! يغطّي هذا الشعار واقع أنّ الفساد والتهرّب الضريبي هي نتائج هيكلية لمنظومة “رأسمالية المَضْبَعة” الموجودة تقريبا في كلّ بلدان الجنوب ومن ناحية أخرى يوحي بأنّ الأسباب في تردّي الأوضاع هو فقط ذلك الفساد وتلك الأموال الهاربة. ونعيش على وهم أنّ يوم القضاء على الفساد ستُحقّق السوق توازنها المنشود وتوفّر الصحة والتعليم للجميع وسيستثمر الخواصّ في الجهات المسلوبة، وكلّ هذا في ظلّ تصاعد عالمي لنسق ايديولوجيا الخوصصة وتراجع الدولة. وفي ظلّ ترسانة قانونية تفرض استقلالية البنوك المركزية وترك المبادرة للبنوك الخاصّة في خلق فرص الاستثمار حتى في زمن الأزمات. 

لكن في كلّ الأحوال، على الدولة أن تنفق. والمداخيل الجبائية غير كافية. فإمّا البقاء على هاته الحال وانتظار رحمة القطاع الخاصّ الذي لن يستثمر في الجهات المسلوبة. ولن يحقّق لا الصحة ولا التعليم ولا همّ له اليوم سوى السمسرة عبر التعاقد مع العلامات التجارية العالمية لمزيد التمعّش. وإمّا التداين وخلق عجز في الميزانية ومواجهة الإملاءات وايديولوجيا العصر.

6- عن جريمة العجز في الميزانية

أ- العجز في الميزانية والديْن الخارجي: الدين الخارجي أزمة استعمارية

تُرافِق توصيات صندوق النقد الدولي حول العجز في الميزانية تفسيرات من نوع أنّ التقليص من العجز سيمكّن البلاد من الحدّ من تداينها. لكنّ هذا الكلام يبقى مُبهَمًا في غياب تفسير واضح له. تحديدا: عن أيّ تداين نتحدّث؟ هل نتحدّث عن التداين الداخلي أم الخارجي؟ وهذان النوعان من التداين مختلفان تماما. فمشاكل البلاد انطلقت عندما تفاقمت المديونية الخارجية (أي بالعملة الصعبة) في بداية الثمانينات، ولم تكن الوضعية حكرا على البلاد التونسية بل شملت جميع بلدان الجنوب. وكما قلنا سابقا، لم يكن السبب في ذلك “سوء تصرّف” أو ما إلى ذلك، بل تلاعب بلدان الشمال بنسبة الفائدة ودخولهم في حالة تراجع اقتصادي ممّا خفّض في حجم صادرات بلدان الجنوب إلى الشمال، وعليه خفّض في مداخيل الأخيرة بالعملة الصعبة.

إلاّ أنّ تقارير صندوق النقد وخطابات الحكّام، وآخرها محمّد عبّو الذي صرّح أن على الدولة الإقتراض من الخارج لتتمكّن من دفع الأجور، تحافظ على هذا الخلط بين العجز في الميزانية والتداين الخارجي. وما زاد في ذلك مثلا طريقة تقديم قانون الميزانية حيث يتمّ فصل أقسام التداين وعجز الميزانية على حِدة عن مصاريف الدولة ومداخيلها[30]:

لكن هذه “الشفافية” تخفي الكثير. أوّلا هي تُخفي فوائد الديْن العمومي الذي كان مذكورا على حدة في قوانين المالية السابقة. فنجد في موقع وزارة المالية[1] أنّ فوائد الدين العمومي الداخلي لسنة 2020 بلغت 1858 مليون دينار بالنسبة للدين الخارجي و 1904 مليون دينار بالنسبة للدين الداخلي لنصل لنتيجة أنّ خدمة الديْن بالنسبة لسنة 2020 ستصل إلى 11678 مليون دينار. وهو رقم يقترب من جملة الاستعمالات المذكورة في قانون الميزانية. كما تُخفي المآل الحقيقي لهاته القروض بالعملة الصعبة، فيختلط في الحسابات الدينار بالدولار ونحن نعرف حقّ المعرفة أنّ أجرة الموظفين بالدينار. ففيما تصرف الدولة 4000 مليون دينار من العملة الصعبة؟ أليس من حقّنا أن نشكّ أنّ الدولة هنا مجرّد وسيط لتوريد العملة الصعبة ليستوي الميزان التجاري ولا علاقة بالإنفاق اليومي للدولة بهاته الـ4000 مليون دينار؟

في غياب المعلومة الأكيدة، لا أرجّح أن يكون عجز الميزانية المقصود يتكوّن فقط من فوائد الدين العمومي، لكن الأرقام متقاربة لدرجة أنّنا يمكن أن نستنتج أنّ كلّ موارد اقتراض الدولة تذهب في خانة خدمة الديون (أصلا وفائدة) لأنّ العملية الحسابية تُعطي أنّ الدولة ستقترض مبلغ 11242 مليون دينار وستسدّد لخدمة الدين مبلغ 11678 مليون دينار. أيّ أنّ جميع موارد اقتراض الدولة تذهب في خانة تسديد الديون السابقة. لكن اللافت للنظر أنّ موارد الإقتراض الخارجي للدولة لهذه السنة  8848 مليون دينار. 8848 مليون دينار مرتبطة بخلاص ديون سابقة تراكمت منذ أزمة الثمانينات وازدادت تفاقما خلال حكم بن علي. في ما يخصّ الدين الخارجي، نحن اليوم ندفع أوّلا ثمن الهيمنة الإستعمارية وثانيا ثمن عدم قدرة الحكام منذ 2011 على اتّخاذ موقف حازم تجاه المديونية رغم موازين القوى السياسية في تلك الفترة ورغم الدعم العالمي لحملات إلغاء الديون أو على الأقل إجراء تدقيق فيها وتبيان الديون التي ذهبت حقّا في مشاريع تنفع الناس من الديون الكريهة التي ذهبت لملئ جيوب أعيان الدكتاتورية وغيره ممّا تمّ تحويل وجهته إلى البنوك السويسرية. ولنا في قضيّة “أوراق بنما” مثال عن مآل بعض ما تمّ اقتراضه باسم الشعب. بقينا تحت سطوة حكّام يُصرّون على لعب دور التلميذ النجيب تجاه الخارج.

ب- العجز والدين الداخلي: الإشكال المغلوط والكارثة في الأفق

عندما ندعو الدولة إلى الإنفاق في انتداب الطواقم الطبية اللازمة أو الاستثمار في البنية التحتية لترميم المستشفيات والمدارس، فنحن أوّلا وقبل كل شيء ندعوها إلى الاستثمار بالدينار والإنفاق بالدينار، وعليه أن تقترض بالدينار من البنوك المحليّة. وهو ما لا تقوم به حاليا ولم تقم به بحجم كبير في السابق. فحجم الاقتراض الداخلي يمثّل تقريبا ربع حجم الاقتراض الإجمالي خلال السنوات الثلاثة الاخيرة حسب التقرير السنوي للمالية لسنة 2019[2] رغم أنّ الاقتراض بالعملة الصعبة يعرّضنا إلى مخاطر ارتفاع نسب الفائدة وإلى انحدار مستوى الدينار، وبصفة عامّة دائما ما يؤدّي إلى التدخل الخارجي في شؤون المالية العمومية وما بلاغات صندوق النقد الدولي إلاّ خير دليل على ذلك.

بل أكثر من ذلك، نلاحظ أنّ الإقتراض الداخلي الصافي بلغ مستوًى سلبيّا، أيّ أنّ الاقتراض أقل من تسديد الديون. أي بلغة أخرى، فإنّ الدولة لا تعتمد على سوق الاقتراض الداخلية في ميزانيّتها. أي أنّ الدولة التونسية، في نهاية المطاف، ليست في حالة عجز داخلي بل هي في حالة فائض:

أخيرا، نرى أنّ نسبة التداين الداخلي من الناتج القومي الخامّ هي ما يقارب 20%، وهي نسبة ضئيلة جدّا أمام نسبة التداين الخارجي. ومن ناحية أخرى هي نسبة ضئيلة أمام ما يمكن أن تسمح دولة لنفسها به من التداين.

ما نراه إذا أنّ الدولة التونسية، عمليّا، ليس لها عجز في الميزانية إن احتسبنا فقط المعاملات بالدينار، ونرى إذا أنّ للدولة هامش واسع للتحرك في اتجاه الإنفاق في الخدمات الأساسية، وبالخصوص في هذه الفترة في مجال الصحة والعناية بالبنية التحتية الصحية. وما امتناع الحكّام في استعمال هذه الوسيلة إلاّ لأسباب ايديولوجية بحتة. بقي أن نفهم أيّ جنّة ستدخلها الدولة التونسية بصيامها هذا قربانا للمؤسسات الدولية لأنّ ما نعيشه اليوم أقرب منه للجحيم من جنّات الخلد.

من جهة أخرى ما تقوله النظرية النقدية الحديثة[3] في هذا الموضوع أخطر بكثير. اذ أثبتت هذه النظرية بمتابعة أرقام عدّة دول ذات سيادة نقديّة، ولها السلطة المطلقة لإصدار عملتها الخاصة والتحكم فيها، أنّ المنظومة الاقتصادية في أيّ بلد هي منظومة توازن مطلق بين ثلاثة مكوّنات: الميزانية الحكومية، ميزانية المتعاملين الخواصّ بالداخل (أشخاص وشركات خاصّة) وميزان التبادل الخارجي. ما يحققه أيّ مكوّن من هاته المكوّنات الثلاثة يأخذه مباشرة من أحد المكوّنين الآخريْن. ما نلاحظه في الاقتصاد التونسي أنّ ما تنفقه الدولة التونسية في إطار عجز ميزانيّتها يذهب مباشرة لتغطية العجز التجاري، ونرى انّ الدولة التونسية ذاهبة أيضا في اتجاه تحقيق فائض على حساب المكوّن الاقتصادي الداخلي الخاصّ (أي مرة أخرى الأشخاص والشركات الخاصّة). بخيارها الواضح في عدم الإنفاق بالدينار، تقوم الدولة بامتصاص الفوائض الموجودة على مستوى الاقتصاد الداخلي وتتسبّب في شحّ السيولة التي لن تكون إلاّ سببا في مزيد ركود ما يعبّر عنه بالاقتصاد الوطني وخاصّة منه المؤسسات الصغرى والأشخاص. بقطع النظر عن طبيعة الاقتصاد التونسي، تتجه الدولة التونسية باعتمادها اللامشروط لسياسة التقشف نحو تدميره.

ج- العجز والأجيال القادمة

كما قلنا أعلاه، فإنّ الاقتراض موصوم أخلاقيا، فمن يقترض هو بالضرورة مُسرِفٌ ومبذّر ولامسؤول. لكن بالأخصّ، من يقترض اليوم سيراكم الديون والأتعس من ذلك سيورّثها للأجيال المقبلة. إلاّ أنّ مثل هذه التقييمات لا تعطي قيمة للتاريخ الحديث. فدول أوروبا الغربية أعيد بناءها بفضل الاقتراض خلال فترة ما بعد الحرب. ودون حتى أن نذهب بعيدا فإنّ الدولة التونسية كذلك تداينت خارجيا وأيضا داخليا لبناء النواة الأولى من المؤسسات العمومية والبنية التحتية الصحية والتربوية وغيرها، ومنحت نفسها الأدوات النقدية اللازمة لذلك. وأجيال اليوم لا تعاني من سوء تصرّفها في المالية العمومية، بل تلومها قبل كلّ شيء عدم قدرتها على التصدّي لدوّامة المديونية الخارجية، وهي أزمة موازين قوى سياسية قبل أن تكون أزمة مالية.

لكن مع ذلك يبقى في المخيال العامّ أنّ عجز ميزانية اليوم ستتحمّله الأجيال القادمة. فتراكم الدين سنة بعد سنة وجيلا بعد جيل سيصل بنا إلى درجة دين عمومي يفوق طاقة البلاد ويؤدّي إلى إفلاسها… هذه النظرة للدين العمومي خاطئة. علاوة على أنّ التاريخ لم يسجّل إلى اليوم إفلاس أيّ دولة ذات سيادة نقديّة، فإنّه حتى رياضيّا تفكير خاطئ. يكفي أن نتذكّر أن السبب الأول لأزمة ديون بلدان الجنوب يتمثّل في ارتفاع نسبة الفائدة. لكلّ اقتصاديّ يقول أنّ الديون ستتراكم وسينتج عنه إفلاس البلاد، سنقول له مثلما قال الإقتصادي الامريكي جامس غالبريث في ختام مذكّرة كتبها حول موضوع تفاقم الدين العمومي[4]: إنّها نسبة الفائدة يا غبيّ! فتمثّل الدين كتراكم حسابيّ سنة بعد سنة هو تمثّل لتطوّر نسبة الدين كسلسلة حسابية (Suite arithmétique) والحال أنّ نمذجة تطوّر تراكم الدين يستند أكثر منه إلى سلسلة هندسية (Suite géométrique). يقوم راندال راي بتقديم الدليل الرياضي على أنّه من الممكن التحكّم في نسبة التداين إن تحكّمنا في نسبة الفائدة[5]. فيكفي أن تكون نسبة الفائدة الموضوعة على الدين العمومي أقل من نسبة النموّ لتتجّه نسبة التداين نحو الإستقرار في نسبة معيّنة. ونسبة الدين المستقرّة هي علامة على أن الدين لم يعد إشكالا.

لكن أيّ إمكانية للتحكّم في نسبة الفائدة والدولة التونسية قد فقدت تماما السيطرة على البنك المركزي؟ هناك إجابتان ممكنتان. الأولى سياسية: أيّ دولة ذات سيادة تلك لا تتحكّم في قوانينها إن ثبت أنّ عليها القيام بتعديلات للصالح العام؟ الثانية، هي فرض نسبة فائدة منخفضة على البنوك فيما يخصّ السندات العمومية بقوّة القانون. فمثلا من أجل تمويل إعادة بناء اقتصادها، فرضت الدولة الفرنسية بعد الحرب العالمية الثانية على البنوك التجارية اقتناء  حدّ أدنى من سندات الخزينة بكميّة متناسبة مع إيداعات حرفائها[6]. لا يبقى للدولة التونسية إلاّ أن تفرض مثل هذا القانون لكن مع إضافة فصل يفرض أن تكون نسبة الفائدة على سندات الخزينة هذه أقل من نسبة النمو. ولما لا نسبة منخفضة تماما. فطيلة الفترة السابقة، حقّقت البنوك التونسية أرباحا طائلة وصلت إلى 1200 مليون دينار سنة 2018 ويعود الفضل الكبير في ذلك إلى الترفيع المتواصل في نسبة الفائدة المديرية. يمكن في هذا السياق أن نتأمّل ما كُتب في تقرير المراقبة البنكية حول أرباح سنة 2018 (ص39) :

<<هامش الربح في الفوائض ارتفع ب23,4%>>...

ما ينقص فقط هو بعض الإرادة السياسية…

د- العجز والتضخم    

نحن لا نطلب أن تقوم الدولة بالإنفاق اللامتناهي. فما من شكّ أنّ ذلك سينتج تضخّما وسيحطّ من قيمة الدينار التونسي وغير ذلك من نتائج الارتفاع المفرط في الإنفاق العمومي. لكنّ حالة الإنفاق العمومي اليوم أقرب  للمجاعة منها للتخمة. فكمن يقود سيّارة في سرعة الـ30 في طريق تُحدَّد فيها السرعة بالـ110 كم\س. والأتعس أنّنا لا نعرف أصلا ما هي السرعة القصوى التي يمكن أن يبلغها الإقتصاد. لم يجرّب حكّامنا الترفيع رويدا رويدا في الإنفاق ليعاينوا أين يمكن أن تصل الأمور وهم خير العارفين أنّ لديهم الأدوات الكافية لكبح جماحها متى بدأت المؤشرات تدلّ على الخطر. لكنّ المحزن اليوم انّنا في وضعية تستوجب الإنفاق لكنّهم خائفون. يهابون صندوق النقد. يهابون التضخم. يهابون العجز. يقال أنّ الأيادي المرتعشة لا تصنع التاريخ. نحن لم نرفع أصلا سقف طموحاتنا لدرجة صنع التاريخ. نحن طلبنا فقط إمساك المقود.

تجربة السنوات الأخيرة تقول لنا أنّه لا وجود لرابط كبير في تونس بين نسبة العجز في الميزانية ونسبة التضخم. وذلك لسبب أوّل واضح أنّ معظم العجز هو عجز بالعملة الصعبة أكثر منه عجز بالعملة المحلية، وثانيهما أنّ نسبة التضخم مرتفعة نسبيّا في حدّ ذاتها. يكفي أن نقارن بين تطوّر العجز والتضخم في العشر سنوات الأخيرة لنتيقّن أنّ تقريبا لا علاقة سببية لا مباشرة ولا مؤجلة في الزمن[7] تربط المؤشرين:

التضخم في تونس بين 2010 و 2020
نسبة العجز في تونس بين 2010 و 2020

أخيرا، قد ينسى البعض أنّ التضخّم هو قبل كل شيء قيس لارتفاع الأسعار. وأن ارتفاع الأسعار ليس مرتبطا فقط بالكتلة النقدية. فمثلما يشير إلى ذلك الإقتصادي التونسي فاضل قبوب المختصّ في النظرية النقدية الحديثة فإنّ ارتفاع الأسعار يتأثّر بعديد العوامل مثل الاحتكار وأسعار النفط على السوق العالمية وأسعار الموادّ الغذائية المورَّدة وغيرها… فيمكن أن يرفّع البنك المركزي كما يشاء مثلا في نسبة الفائدة المديريّة، “سيبقى كالطفل الصغير في المقعد الخلفي للسيارة الذي يظنّ أنّه هو الذي يقود السيارة فقط لأنّ بين يديه مقود”. والواقع يثبت يوميّا أن نسبة الفائدة المديرية المرتفعة التي يفرضها البنك المركزي لا فائدة منها للإقتصاد وصارت ضربا من الدغمائية وأنّ طريقة احتساب التضخم في تونس مطعون في صحّتها. إنها مجلّة ليدرز التي تقول هذا[8]. ترى هل صارت ليدرز شيوعيّة؟

ولنفترض جدلا أن ارتفاع الكتلة النقدية عبر الإقتراض العمومي سيحدث تضخّما… نحن نعيش مشهدا تقدّم فيه البنوك التجارية في تونس سنة 2018 مقدار[9] 80.270 مليون دينار قروضا للإقتصاد (أشخاصا ومؤسسات خاصة) أي ضِعف ميزانية الدولة، منها 55.017 مليون دينار تمّ ضخّها مباشرة في الدورة الإقتصادية. من بين هذا المبلغ، 4.270 مليون ذهبت مثلا إلى القطاع السياحي المتداين على الدوام و11.000 مليون دينار ذهبت للتجارة، أي قطاعات لا تخلق ثروة بصفة مباشرة لكن تمكّن بعض الآلاف من البشر من العيش الكريم. أي خلقت البنوك كتلة نقدية بـ15.000 مليون دينار على الأقل غير مرتبطة بخلق مباشر للثروة. للمقارنة، ميزانية الإستثمار في وزارة الصحة تبلغ 300 مليون دينار وميزانية وزارة الصحة ككلّ تبلغ 2.500 مليون دينار… وفي نفس الوقت تحرم الدولة بقوّة الإملاءات وقيود الايديولوجيا حتى من إمكانية اقتراض 1.000 مليون دينار لأنّ ذلك سيرفّع العجز في الميزانية بما يقارب 1%… أيّ عقلانية هذه التي تحرم الدولة من انتداب الطاقم الطبي الكافي وتوفير التجهيزات وتتقشّف على حساب الطاقم الطبي الموجود وتقتطع منهم ثمن الكمامات! أيّ عقلانية هذه وأي ترشيد للنفقات هذا اللذيْن يجعلان الدولة لا تضخّ الاموال اللازمة للشركات العمومية (والتي ليس الربح غايتها! فعلى الدولة توفير النقل إلى أقصى نقطة في البلاد حتى لمواطن وحيد!) لتكسر سلسلة التداين بينها! العقلانية الوحيدة بالنسبة للدولة هي توفير الخدمات الاجتماعية الدنيا. هذا بالأكيد لن يخلق الثروات بالمعنى المتعارف عليه، لكنه يحافظ على الثروة الأولى وهي الإنسان. وكرامته. وصحّته، وأمانه عندما ينظر إلى المستقبل.

7- الخلاصة: لا تتقشّفوا بالدينار!

الخلاصة إذا: نحن إزاء حكّام يهدّدون الناس دوريّا بعدم خلاص الأجور، يتسبّبون بسياسة التقشف في شحّ البلاد من التمويل. يعاينون يوميا حالة المؤسسات العمومية التي تعاني شحّ التمويلات والتي تجرّ بعضها البعض في حلقة تداين وعجز: صندوق التأمين على المرض لا يدفع مستحقات المستشفيات، التي لا تدفع مستحقات الستاغ التي لا تدفع مستحقات مؤسسة النشاطات البترولية، والأمر رهين دعم مالي في أعلى الحلقة ويتنفس الجميع الصعداء. لكن لا! هذا “تبذير للمال العامّ”. على أساس أنّ مستشفياتنا تعالج سكّان المرّيخ والستاغ تضيء شوارع عطارد!

هذه النظرة لشؤون البلاد تختزن في باطنها منطق أنّنا دولة فقيرة ليست لها “الإمكانيات”، وأنه يجب علينا إنتاج الثروة اللازمة لنسمح لأنفسنا بانتداب إطارات طبّية وأساتذة ومعلّمين وعمّال نظافة وغيرهم ممّن يجعلون الحياة كريمة ممكنة في هذا الوطن. المغزى من كلّ ما سبق هو أنّ أيّ إنفاق بالدينار ممكن، وخاصّة في الحالات العاجلة مثلما نعيشه اليوم. وكما رأينا فإنّ الأمر مرتبط أكثر منه بوجود النقود من وجود ثروة ملموسة وهو رهين إنفاق من الدولة، إنفاق يكون بالدينار، أي العملة التي تتحكّم فيها الحكومة من نشأتها إلى وصولها للسوق وإن لزم الأمر إرجاعها من حيث أتت عبر الضريبة. هذا الإنفاق اليوم يقوم به مكوّن واحد من مكوّنات الإقتصاد وهم البنوك التجارية: إن قرّر رئيس الفرع أنّ الوضع الإقتصادي مواتٍ لإسداء القروض فهو سيعطي القروض لبعض المستثمرين. هذا تاجر وذاك صاحب تاكسي وهذا محلّ للبيع وتصليح المكيّفات وغيرهم… وإن قرّر رئيس الفرع عكس ذلك ساهم في تقليص الكتلة النقدية الموجودة.

ليس الهدف ولم يكن أن نقارن بين المِهن، فلكلّ الحقّ في حياة كريمة في هذا الوطن وأيّ مكان من هذا الكوكب. إلاّ أنّ الحياة الكريمة للجميع تستوجب حدّا أدنى من الخدمات الاجتماعية، أوّلها الصحة، لكي يكون كلّ منّا مطمئنّا على حياته وحياة من يحبّ. والبنوك التجارية، وبصفة أشمل ما يعبّر عنه بالسوق، لم و لن تحقّق هذا الحدّ الأدنى من الكرامة الإنسانية للجميع في أيّ مكان في العالم وأيّ زمان في التاريخ. وَهْمُ السوق الذي يعدّل نفسه ذاتيّا ويوفّر الرفاه للجميع يجب أن يُقبَر بجانب وهم الدولة الستالينية التي تحدّد  كلّ شيء في حياة الإنسان من ألِفها إلى يائها ويُقرأ عليهما نفس الدعاء. وهم انتعاش الاقتصاد الذي سيوفّر المداخيل الجبائية الكافية للدولة التي ستستغلّها لتحسين الخدمات الاجتماعية كذلك يجب أن يُقبر بجانب المغفورين لهما أعلاه، فلم ولن يتحقق في أي مكان في العالم.

لكن هل ينفع أن ننصح الحكّام والتكنوقراط؟

نحن نعلم أنّ كلامنا في النافخات زفرا… لكن من يدري! نحن لم نطالبهم بأن يضعوا كأولويّة تشغيل الناس و توفير الحدّ الأدنى من الخدمات الاجتماعية، ليشعر الإنسان في هذا الوطن بإنسانيّته وأنّه ليس رهين فيروس مكروسكوبي أو نزلة برد أوّ حادث بسيط لتمتهن كرامته في قاعات انتظار المستشفيات وفي سيّارات الإسعاف بحثا عن قسم إستعجالي يأويه. ما نطلب اليوم فقط هو ألاّ يتقشّفوا على حساب الطواقم الطبية. ألاّ يتقشّفوا في إصلاح الأجهزة وتوفير التحاليل اللازمة. ألاّ يتقشّفوا في دعم الكمامات ولِمَ لا توفيرها مجانا لكلّ من لا خيار له سوى الاختلاط بالناس. ألاّ يتقشّفوا في وضع ما يكفي من النقل العمومي لمنع الاكتظاظ. ألاّ يتقشّفوا في إعطاء الإمكانيات اللازمة للجامعات لكي تدرّس بأفواج ذات أعداد قليلة… لا نطلب إلاّ أشياء بسيطة… نعم هي أشياء بسيطة لأنّ إمكانات التصرّف في المالية العمومية شاسعة لكن فقط إن نزعنا عنها الإيديولوجيا وحرّرناها من قيود الإملاءات.


المراجع:

 [1] Bullshit Jobs, David Graeber, Les Liens qui Libèrent (2018).

[2] Debt The First 5,000 Years, David Graeber, Melville House (2014).

[3] La Monnaie, Un Enjeu Politique. Ouvrage Collectif: Les économistes atterrés, Editions Points (2020)

[4] The Deficit Myth, Modern Monetary Theory and the Birth of the People’s Economy. Stephanie Kelton, Public Affairs (2020).

[5] Modern Money Theory, A Primer on Macroeconomics for Sovereign Monetary Systems. L. Randall Wray, Palgrave Macmillan UK (2015).

[6] 65 Questions / 65 Réponses sur la Dette, le FMI et La Banque Mondiale. Damien Millet, Eric Toussaint. Editions du CADTM (2011).

  1. https://www.mosaiquefm.net/ar/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3-%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D9%88%D8%B7%D9%86%D9%8A%D8%A9/798013/%D9%88%D8%B2%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D9%86%D9%81-%D8%B0-%D8%B9%D9%82%D9%84%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%AD%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A4%D8%B3%D8%B3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%A3%D9%86%D8%B4%D8%B7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AA%D8%B1%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%A9
  2. https://www.nessma.tv/ar/%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D9%88%D8%B7%D9%86%D9%8A%D8%A9/actu/%D9%85%D8%B3%D8%A4%D9%88%D9%84-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D8%BA-%D8%AA%D9%85-%D9%82%D8%B7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%87%D8%B1%D8%A8%D8%A7%D8%A6%D9%8A-%D8%B9%D9%86-%D9%85%D8%B3%D8%AA%D8%B4%D9%81%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D9%85%D8%B9%D8%A7%D9%87%D8%AF-%D9%88%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%88%D8%AF%D8%B9%D8%A7%D8%AA-8054/110587
  3. https://acharaa.com/ar/409076
  4. https://ar.businessnews.com.tn/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF+%D8%B9%D8%A8%D9%88:+%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9+%D9%81%D9%8A+%D8%AD%D8%A7%D8%AC%D8%A9+%D9%84%D9%84%D9%82%D8%B1%D9%88%D8%B6+%D9%84%D8%AA%D8%B3%D8%AF%D9%8A%D8%AF+%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AC%D9%88%D8%B1,542,10626,3
  5. http://www.alchourouk.com/article/%D8%A5%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%AE%D9%81%D8%A7%D8%AE-%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3-%D9%82%D8%AF-%D8%AA%D8%B5%D9%84-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%85%D8%B1%D8%AD%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AC%D8%B2-%D8%B9%D9%86-%D8%AE%D9%84%D8%A7%D8%B5-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AC%D9%88%D8%B1
  6. https://www.webmanagercenter.com/2020/08/29/455177/yaiche-les-salaires-des-mois-de-septembre-et-octobre-2020-sont-disponibles/
  7. http://www.elhassade.tn/web/?p=126912
  8. https://ar.tunisienumerique.com/%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D9%88%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84/%D8%AE%D8%A8%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%8A-%D9%88%D8%B9%D8%B6%D9%88-%D9%81%D9%8A-%D9%86%D8%AF%D8%A7%D8%A1-%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3-%D9%84%D8%A7-%D9%88%D8%AC%D9%88%D8%AF/
  9. https://www.youtube.com/watch?v=WmCrxlfdxrE&ab_channel=MichaboSustainableHarmony
  10.  لم أعتمد في هذا المقال على ترجمة موحّدة لكلمة Monnaie، فهي كلمة تارة تؤدّي معنى “العملة” وتارة أخرى تؤدّي معنى “النقود”، على الأقل في حدود فهمي الخاصّ للموضوع.
  11. https://fr.wikipedia.org/wiki/Cr%C3%A9ation_mon%C3%A9taire
  12. أو بلغة الفاهمين في الموضوع “Ex Nihilo”
  13. ومن أفضل من دافيد غرايبر ليحدّثنا عن الوظائف التافهة!
    https://www.youtube.com/watch?v=kikzjTfos0s&t=23s&ab_channel=RSA
  14. <<Notre économie s’effondre dès qu’elle cesse de vendre des trucs inutiles à des gens surendettés. DEUX : Il est parfaitement possible de réduire la pollution. TROIS : Les personnes les moins payées du pays sont les plus essentielles à son fonctionnement>> Charlie Hebdo, 25 Juin 2020
  15. https://en.wikipedia.org/wiki/NAIRU
  16. https://en.wikipedia.org/wiki/Quantity_theory_of_money
  17. https://en.wikipedia.org/wiki/Equation_of_exchange
  18. أنظر https://www.youtube.com/watch?v=CZIINXhGDcs&ab_channel=TalksatGoogle
  19. أي التي يستند رواجها إلى الثقة التي يضعها فيها المتعاملون بها.
  20. ليس المجال هنا لتبيان تاريخ العملة والحديث عن العلاقة بين العملة والديون، إلاّ أنه مجال شاسع يمكّن من مزيد فهم عملية خلق العملة.
  21. وهي عمليّة ممكنة لكنها غير رائجة. والقاعدة العامّة هي أنّ “القروض هي التي تخلق الودائع” (Le crédit crée le dépôt)
  22. مثلما يعتبر إسداء القروض ضخّا للنقود في الاقتصاد، يمثّل تسديد الديون من طرف الأشخاص أو الشركات الخاصّة أو الدولة و تمثّل كذلك الضرائب تخفيضا من كتلة النقود التي تدور في شريان الاقتصاد.
  23. 23.             “There is no such thing as public money. There is only taxpayers’ money.”
  24. 24.        أنظر البلاغ الصحفي المصاحب لقرار الموافقة على هذا البرنامج
    https://www.imf.org/fr/News/Articles/2015/09/14/01/49/pr16238
  25. https://www.imf.org/ar/News/Articles/2019/07/17/pr19286-tunisia-imf-staff-concludes-visit
  26. المقصود: كتلة الأجور
  27. المعادل الأمريكي للبنك المركزي
  28. [1] “Taxes for revenue are obsolete”  https://www.taxresearch.org.uk/Blog/2015/08/18/taxes-for-revenue-are-obsolete/
  29. أنظر قانون الميزانية لسنة 2020
  30. http://www.finances.gov.tn/fr/les-indicateurs/depenses
  31. التقرير السنوي لسنة 2019 من إصدارات البنك المركزي التونسي.
  32. أنظر L. Randall Wray – Modern Money Theory A Primer on Macroeconomics for Sovereign Monetary Systems-Palgrave Macmillan UK (2015)
  33. http://www.levyinstitute.org/pubs/pn_11_02.pdf
  34. أنظر الكتاب المذكور أعلاه في الصفحة 68
  35. ذُكر في “La Monnaie, Un Enjeu Politique” – Les économistes atterrés ، الصفحة 73:

“Après la seconde guerre mondiale, les pouvoirs publics français ont mis en place un système efficace de financement public. Destiné au départ à assurer la reconstruction de l’économie, ce système a ensuite largement contribué au financement de sa modernisation. La première étape a été la création du <<Circuit du Trésor>>, composé de la Caisse des Dépôts et des Consignations, des Caisses d’épargne, de La Poste et du Trésor Public. Ce circuit, contrôlé par l’Etat, a occupé une place centrale dans le système de financement de l’économie. Les banques sont tenues de souscrire aux bons du Trésor à hauteur d’une proportion -appelée <<Plancher>>- des dépôts qu’elles sont elles-mêmes recueillis auprès de leurs clients. En 1960, le circuit du Trésor collecte 53,2% des liquidités et distribue 44,8% des crédits à l’économie; à partir de l’épargne populaire ainsi centralisée, l’Etat peut financer l’économie à prix très réduit, pendant que la Banque de France garantit les dettes publiques, voire procure des avances à l’Etat à taux zéro”

أعجبك عملنا؟ يمكنك دعمنا وتعزيز استقلاليّتنا !