عبودية الديون أو الشكل الآخر للاستخراجية 1: أيّة قيمة لأيّ عمل… وأيّة زيادة في أيّ إنتاج؟

Aucune description disponible.
بقلم وليد بسباس، باحث شيوعي

تُعرّف الاستخراجية على أنّها استخراج الموارد الطبيعية (فلاحية، منجمية، حيوانية، ويمتدّ التعريف إلى النشاطات السياحية وغيرها…) من أجل بيعها في الأسواق العالمية. وهي عملية تقوم بها غالبا بلدان الجنوب للحصول على ما يقابلها من عملة صعبة، أي عملة تستعمل في المبادلات التجارية العالمية (دولار، أورو، يان…). ما تُقرّه الدراسات في هذا المجالات هو أن هذا النوع من النشاط الاقتصادي يسبّب ضررا مستداما للبيئة والبشر، وما أحسن مثال على ذلك إلاّ ما يسبّبه الفسفاط من مضارّ على الثروة المائية وعلى صحة الناس في الحوض المنجمي1 وما تسببه صناعة تحويل الفسفاط في معامل المجمع الكيميائي التونسي في قابس من خراب في المحيط البيئي ممّا يقضي على كلّ مظاهر الحياة من حيوانات وغطاء نباتي وفلاحة وصيد بحري وما يسبّبه من أمراض سرطانية على البشر2. حتى أنّ توقّف تحويل الفسفاط يمثل لسكان المدينة متنفّسا تعود خلاله الحياة إلى نسق طبيعي يستمتع خلاله الإنسان بنقاوة الهواء وصفاء البحر3.

لكن مضارّ الاستخراجية لا تقتصر فقط على الجانب البيئي والصحي، بل تمتدّ إلى الجانب الاجتماعي وحتى الاقتصادي. فصار دارجا اليوم أنّ يتمّ الحديث عن لعنة الموارد المنجمية وبصفة عامة عن <<لعنة الوفرة>>4، حيث لوحظ أنّ أغلب الدول – إن لمّ نقل جميعها! – التي تعتمد على مواردها الطبيعة لتحقيق ما يسمّى بـ “التنمية” هي دول حُكم عليها بالفقر والهشاشة. ويذهب البعض حتى في القول أنّ سبب فقر هاته الدول هو بالضبط امتلاكها لتلك الثروات المنجمية والطبيعية والتي جعلتها محلّ أطماع القوى الاستعمارية. هذه القوى الاستعمارية أبقت على علاقة الهيمنة على مستعمراتها حتى بعد تحقيق الاستقلال السياسي وذك بشتّى الأساليب: من الانقلابات إلى الرشاوي للقيادات مرورا بسلاح المديونية. وقد انتشر هذا المنوال الاقتصادي في تونس وفي بلدان شمال إفريقيا بصفة كبيرة في الفترة الأولى من سياسات اللحاق ولكن خاصّة بعد أزمة الديون في أوائل الثمانينات وفرض برامج الإصلاح الهيكلي الذي فتح الأبواب أمام الرأس المال المحلي والمعولم لاستغلال الثروات الطبيعية والمنجمية. سياسات خلّفت مشاهد من الدمار والهشاشة الاجتماعية وطرد للناس من مجالها التاريخي الحيوي وخاصة الفلاحين الصغار الذين أجبروا على ترك أراضيهم بسبب انتشار منوال الزراعات الكبرى والأشجار المثمرة. لكن كذلك فتح الباب للجماعات المتضرّرة أن تكون أول الناس الواعية بأضرار الاستخراجية والتنظّم للنضال ضدّها5. ويمثل الشريط الوثائقي <<يلعن بو الفسفاط>> للمخرج سامي التليلي أحسن صورة عن هذه اللعنة التي تصيب سكان “مناطق التضحية”6 وسيرورة النضال ضدّها والتي كانت أولى شرارات ثورة 17 ديسمبر في تونس.

ما يدفع كلّ هاته البلدان للتضحية بمجالات واسعة من ترابها والديمومة البيئية لهاته المجالات وبصحة سكانها هو سبب واحد: الدولار7. ففي الفترة الاولى بعد الاستقلال السياسي، انتهجت أغلب بلدان الجنوب سياسة استبدال الواردات، أيّ سياسة تصنيع متنوّعة تُغنيها عن استيراد حاجياتها. إلاّ أن هذه السياسة قدّ توقّفت في بلدان الجنوب بداية من أواسط السبعينات إثر الأزمة الاقتصادية العالمية التي تلت الأزمة البترولية. حيث أنّ حاجيات بلدان الجنوب إلى التمويلات الأجنبية قد ارتفعت لسببين إثنين: الأول هو التطور السريع لاقتصادات الجنوب في فترة التصنيع الأولى ممّا يرفّع من حاجياته للواردات وخاصّة من الطاقة، والثاني هو ارتفاع سعر البترول الذي دفع كلّ أسعار المنتوجات الأخرى (غذائية، استهلاكية، تجهيزات…) إلى الصعود. وهذا ما حتّم على بلدان الجنوب انتهاج سياسة نموّ أخرى سمّيت بسياسات النمو عبر الصادرات، وهو ما أجبرهم على تحويل وجهة أجهزتهم الإنتاجية وفتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية لجلب المزيد من العملة الصعبة. وقد تمّت عملية تحويل وجهة اقتصادات الجنوب تحت إشراف البنك الدولي رغم أنّ نفس هذه المؤسسة أشرفت على تمويل المرحلة الأولى والمصادقة على مشاريعها.

وبذلك تمّ تحويل مجهودات بلدان الجنوب كلّها نحو التصدير. لكن بما أنّ القطاعات ذات القيمة المضافة العالية كانت ولاتزال حكرا على بلدان الشمال، فإنّ صادرات بلدان الجنوب كانت تقتصر على الموادّ الأولية والموادّ المنجمية والفلاحية أساسا. وكان ذلك تحت مسمّى الامتيازات المقارنة: على كلّ بلاد أن تتخصص في مجال ما يكون فيها إنتاج أقلّ كلفة من غيرها ليتمّ التقسيم العالمي للعمل حسب اختصاصات كلّ بلاد وثرواتها. ولعلّها الصدفة، فإنّ جميع بلدان الجنوب تخصصت في تلك الموادّ الأولية وفي السياحة وغيرها وتصبح جميع منتوجاتها تحت رحمة أسعار السوق العالمية التي ما انفكّت تجذب أسعارها إلى الأسفل من ناحية ومن ناحية أخرى رهينة الأزمات الاقتصادية العالمية. من جملة <<الامتيازات المقارنة>> التي تزخر بها بلدان الجنوب نجد <<العمالة التنافسية>> والمقصود بهذا اليد العاملة البخسة الأجور، وفي هذا السياق أتى قانون 72 بمبادرة من هادي نويرة وزير بورقيبة الذي أسقط تجربة التعاضد معلنا بذلك نهاية مرحلة استبدال الواردات والانطلاق في سياسة تشجيع الصادرات. وقد فتح هذا القانون الباب للاستثمار الأجنبي للانتصاب لاستغلال تلك اليد العاملة <<التنافسية>>.

ستركّز هذه الأسطر على هذا الجانب من السياسات الي فُرضت على الدولة التونسية باسم التشجيع على التصدير أولا ثمّ باسم سياسات الإصلاح الهيكلي بعد ذلك وعلى أنّها لا تبتعد كثيرا عمّا نسمّيه الاستخراجية عبر التعمّق في بعض الوضعيات: عاملات النسيج ومراكز الاتصال والهجرة. فمثل استخراج الفسفاط، فإنّ الوظائف تحت يافطة القانون 72 وما تلاه وبصفة عامة كلّ عمل يوجّه نحو التصدير هو كذلك استخراج للجهد الإنساني بمنطق لاإنساني مقابل الدولارات. ومثلها مثل الفسفاط، لا تُضيف هذه النشاطات شيئا للمجتمع بل تساهم في خرابه مثلا بسبب الأمراض المهنية والهشاشة التي تُفرض على العاملين بهذه القطاعات. ولا يستفيد “الاقتصاد” إلاّ من الدولارات التي تأتي مقابل بيع قوّة العمل. بطبيعة الحال، فإنّ العاملين في القطاعات المصدّرة كلّيّا لا يتقاضون رواتبهم باليورو أو الدولار بل بالدينار، دينار يقوم البنك المركزي بـ “طبعه” مقابل ما دخل مخزون العملة الصعبة من دولارات وأوروات.

وهنا سيكون مربط الفرس: ما الفرق بين ما يسمّيه الخبراء وظيفة وهمية مقابل مرتّب تدفعه الدولة وبين وظيفة لا نشكّك في مشقّتها لكن لا تضيف شيئا للمجموعة ويتمّ خلاصها عبر طبع العملة؟ ستكون الإجابة طبعا: هنّ وهم يوفّرن.ون العملة الصعبة! لكن عملة صعبة لماذا؟ هي عملة صعبة لخلاص الديون، عملة صعبة لخلاص مرابيح المستثمرين الأجانب، عملة صعبة لتوريد كماليات من سيارات فخمة وشعبية وشكلاطة سويسرية وهواتف ذكية وبعض الأساسيات الذي لم تعد البلاد قادرة على إنتاجها تحديدا بسبب سياسات “النمو عبر التصدير”. وفي نفس الوقت تعجز الصيدلية المركزية على خلاص أدوية حياتية. ستكون الإجابة كذلك: هو ليس وظيفة وهمية بل هو عمل شاقّ يفرز إنتاجا. هنا سيكون علينا تجاوز التقليد الذي ينسب جزافا للماركسية لننقد العمل لا فقط من زاوية الاستغلال بل كذلك من زاوية النفعية الجماعية للعمل: عشية الثورة وبعد تأميم مصانع النسيج أو مراكز الاتصال، هل سنحافظ على نفس النشاط الموجه كليا نحو التصدير؟ هل سنبقي على زهد الأجور لنحافظ على موقعنا المبجل في التقسيم العالمي للعمل حسب ما تُمليه علينا نظرية الامتيازات المقارنة؟ وهل سنحافظ على منوال حياة استهلاكيّ يحتّم على أغلبية الناس أن يعملوا رهائن لدى الرأس المال المعولم؟ هل سنقبل بأن ترزح أغلبية تحت عبودية الأعمال الشاقة وتدمير البيئة والعطش من أجل أن تنعم أقلية الطبقة المخملية وتابعتها الوسطى برغد مجتمع الاستهلاك يعوّضها عن بؤس حياتها؟

عبودية الديون

<<آمارجي>>. هي كلمة سومرية تعني “حريّة” وهي تاريخيا أوّل كلمة تفيد معنى الحريّة من بين جميع لغات البشرية. يقول لنا عالم الإنسيّة دافيد غرايبر8 أنّ آمارجي تعني حرفيّا <<العودة إلى الأمّ>>، وكانت تُطلق في سياق تحرير عبيد المديونية. فقد جرت في تلك العصور أن يقدّم أحدهم أحد أفراد عائلته كضمان مقابل دين لم يتمكّن من استخلاصه نتيجة صابة أقلّ من المأمول أو حالة جفاف أو غيرها من حوادث الحياة. وقد كان الملوك آنذاك حين تستفحل الأزمات وخوفا من الانتفاضات بإعلان عفو عامّ على كلّ من تمّ سبيهم بسبب الديون. آمارجي هي إذا صرخة الانعتاق والعودة إلى الأم.

قد نتخيّل أنّ مثل هذه الممارسات تنتمي إلى عصور غابرة وألاّ مجال اليوم بأنّ تُسخّر حياة المئات والآلاف من البشر فدية للديون. لكن ماذا نسمّي إذا حالة العاملات بمصانع النسيج، يعملن ما استطعن بأجور زهيدة، دون حماية اجتماعية وبأمراض تصيبهن بعظام أصابعهن تمنعهن من العمل بعد عمر الأربعين لما ينجرّ عن العمل على آلات الخياطة طيلة يوم كامل لمدّة سنوات؟ ماذا نسمّي حالات الألاف من أصحاب الأحلام والشهائد اللذين تدفعهم البطالة إلى العمل بمراكز الاتصالات في مجالات بعيدة كل البعد عمّا طمحوا إليه وعملوا من أجله طيلة أيام دراستهم ليجدوا أنفسهم بعد بضع سنوات يعانون الصداع والاضطرابات النفسية وأعطاب الظهر؟ ماذا نسمّي مئات الآلاف من صاحبات وأصحاب الشهادات في الهندسة الإعلامية والطب والأساتذة الجامعيين في بلدان الشمال والخليج بعد أن زاولن.وا دراستهم.ن في مختلف مراحل المؤسسات التعليمية العمومية من المدرسة إلى الجامعة؟

ما يجمع كلّ هاته الأمثلة هو التباين الكبير بين الجهد التي يضعه هؤلاء في عملهم، أكان جهدا قاموا وقمن به خلال دراستهم أو جهدا خلال ساعات العمل وحتى بعدها، وما يقدّمه هذا العمل وهذا الجهد للمجموعة الوطنية. فمنتوج عملهم لا تنتفع به البلاد ولا يضيف شيئا في حياة أيّ تونسية أو تونسيّ. فلا أحد فينا يلبس من منتوجات عاملات النسيج، لا ينتفع أيّ قطاع صناعي أو تجاري أو خدماتي من عشرات الآلاف من الشبيبة في مراكز الاتصال الموجهة للسوق الأوروبية. أمّا عمّا يعبّر عنه بهجرة الأدمغة، فلا يستحق الامر تحليلا واسعا لإبراز أنّ لا أحد ينتفع من “كفاءتهم” داخل حدود الوطن. بل يمكن القول أنّه من زاوية ميزان النفع والأضرار، هاته الأعمال مكلفة من ناحية الأضرار الجسدية والنفسية التي تلحقها لصاحباتها وأصحابها، مكلفة من ناحية الموارد التي تضعها الدولة في سبيل هاته النشاطات من وسائل نقل ومنظومة صحية وطاقة كهربائية وموارد مائية. ومكلفة من ناحية الاستثمار الذي قامت به المجموعة الوطنية فيما يعبّر عنه بـ “الأدمغة” لكن كذلك في أفواج الشباب اللذين يعملون في مراكز الاتصال فقط من أجل إتقانهم للغة الفرنسية وضاربين عرض الحائط بشهاداتهم وأحلامهم. سيتعرّض هذا النص إذا إلى ثلاث حالات يمكن أن تصوّر ارتهاننا بصفة متكاملة: قطاع النسيج، مراكز الاتصال والهجرة.

عاملات النسيج

صناعة النسيج هي من أكثر الأمثلة تعبيرا على المسيرة الاقتصادية للدولة التونسية بعد الاستقلال السياسي: محاولة إنشاء صناعة مستقلة متمركزة على الذات، ثم تحويل وجهة القطاع إلى التصدير وتلاعب أمواج الاقتصاد العالمي به بتغيير قواعد اللعبة متى احتاج أن يزيد في هامش الربح. بدأت حكاية الدولة التونسية مع النسيج في مدينة قصر هلال حين تمّ تجميع الحرفيين وأصحاب الورشات الصغيرة في مجمّع صناعي مثّل نواة صناعة النسيج في تونس. كان أغلب إنتاجهم موجه لتسديد حاجات الدولة من لباس نظامي لقوّات الأمن والجيش وأزياء العمّال.  لكن مع قانون 72 ومع إحلال اتفاق الألياف المتعدّدة، تمّ فتح باب الاستثمار في ميدان النسيج للتصدير للسوق العالمية. وأغلب الاستثمارات هذه في شكل مقاولات فرعية لمجموعات عالمية كبرى وذات قيمة مضافة ضعيفة مستغلّة اليد العاملة بخسة الثمن لإنجاز الحلقات الدنيا في صناعة الملابس.

اتفاق الألياف المتعددة هو اتّفاق تفتح بمقتضاه بلدان الشمال أسواقها للسلع التي تنتجها بلدان الجنوب في ميدان النسيج بمبدأ الحصص لكلّ دولة من بلدان الجنوب. هذا الاتفاق كان بمثابة حماية لصناعات بعض البلدان ضدّ منافسة بلدان جنوب شرق آسيا نظرا لاحتياطي اليد العاملة الكبير لديهم والإمكانية المتوفرة لديهم لمزيد الضغط على الأجور. وسرى هذا الاتفاق بين 1974 و2004، ثم تمّ تجاوزه مع تأسيس منظمة التجارة العالمية ليصبح النسيج مثله مثل أيّ صناعة أخرى يخضع لـ “المنافسة العالمية”. بالنسبة لمنظمة التجارة العالمية، منظومة الحصص التي يعتمدها اتفاق الألياف المتعددة هي منظومة تشوّش على الأسعار الحقيقية وتمنع قوى السوق من أن تفعل مفعولها لإظهار الامتيازات المقارنة لكلّ دولة ويمنع إذا من تخصيص الموارد المثالي لعوامل الإنتاج9. أدّى إلغاء هذا الاتفاق إلى نتائج كارثية: فكما كان متوقّعا، أُغلقت العديد من مصانع النسيج في بلدان إفريقيا لتذهب إلى بلدان جنوب شرق آسيا. يروي جازون هيكل10 كيف أنّ إلغاء الاتفاق أدّى في دولة سوازيلاندا إلى إلغاء 25 ألف موطن شغل في القطاع بين ليلة وضحاها من جملة 35 ألف موطن شغل في صناعة النسيج: <<لم تحدث أيّة كارثة طبيعية أو أزمة اقتصادية، لم تغيّر الحكومة شيئا في سياستها. 25 ألف موطن شغل إختفوا هكذا!>>. لكن الكارثة لم تقف هنا: أغلب اليد العاملة في هذا القطاع هي يد عاملة نسائية، سرعان ما وجدن أنفسهم دون مورد رزق لهنّ ولعائلاتهنّ. لم يجدن بدّا إلاّ العمل الجنسي مع ما يرافقه من أمراض نظرا للوضع الهش: <<الجزء الكبير ممّا تعانيه دولة سوازيلاند من تفشي قيروس فقدان المناعة – HIV يعود أصله إلى سنة 2005 وأزمة النسيج>>… بلغة المؤسسات الدولية يسمّى هذا تخصيصا مثاليا للعوامل، هنا عامل “العمل” حيث أنّ الموارد -الأجساد- ذهبت إلى العمل الجنسي بدلا عن صناعة النسيج… في تونس كذلك كانت المخلفات سيئة، فقد تراجعت مواطن الشغل بين 2005 و2018 من 250 ألفا إلى 191 ألفا 11 12. لكن المسألة تتجاوز ذلك بكثير، فالمسألة تتعلق قبل كل شيء بطبيعة العمل في مصانع النسيج. فليس من قبيل الصدفة أن يكون أوّل مسلسل يطرح المسألة العمالية – ولو بطريقة غير مباشرة وبأسلوب منمّق- كان مسلسل صيد الريم في 2008 عبر الحديث عن التحرش الجنسي. لكن في الخلفية نستشف هشاشة العمل في القطاع.

في دراسة للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية صدرت في 2014، نرى حجم الحيف في حقّ عاملات النسيج. نقول عاملات دون تنسيب جندري لأنهن يمثلن 86% من اليد العاملة. من زاوية الاستغلال الرأسمالي المحض، فإنّ أجر العاملات لا يمثل إلاّ 4% من هامش الربح والباقي يوزّع على مختلف مستويات الإنتاج. من زاوية الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، يضع العمل بمصانع النسيج العاملات في حالة من الهشاشة أمام سياسات صاحب المصنع وقراراته من امتناع عن ترسيمهن واعتماد على عقود قصيرة المدى وطرد تعسّفي وأحيانا تحويل الإنتاج بصفة فجئية إلى بلاد أخرى أين اليد العاملة أقل ثمنا. كذلك، وحسب نفس الدراسة، فإن ربع العاملات لا تتمتّعن بالحماية الإجتماعية، وحتى إن تمتّعن بها فإنّ حالة المنشآت الصحية لا تفي بالغرض ضدّ أمراضهنّ الشغلية: فعلاوة على أنّهن يجبرن على الجلوس طيلة النهار في وضعيات غير مريحة، فإن طبيعة العمل المتواترة والتي تتطلب منهم إعادة نفس الحركات إلى ما لا نهاية تسبّب لهن أمراضا في العضلات والعظام في اليد والذراع والظهر، حتى ما صار يعبّر عنه في هذا السياق هو أنّ عاملات النسيج لا يمكنّ لهن العمل بعد سنّ الأربعين نظرا لتدهور قدراتهم الجسدية. وهذا ما لا يعجب الأعراف بسبب نزول الإنتاجية: حسب دراسة المنتدى، فإن أغلبية العاملات (نحو 80%) لا يتجاوز سنّهن الخامسة والثلاثين.

أخيرا وليس آخرا، فإنّ طبيعة العمل فرضت جندرته: كما قلنا سابقا، فإن أغلب اليد العاملة به يد عاملة نسائية، وهذا ليس نتاجا طبيعيا لميل النساء نحو الخياطة، بل سببه الأول هو الهشاشة الكبيرة التي يتميّز بها وبخس الأجور به. فمثله مثل العمل الفلاحي، لا تقبل بشروطه إلاّ النساء لأنه يمثل بالنسبة إليهن الحلّ الوحيد لإعالة عائلاتهنّ. حسب نفس الدراسة، فإنّ 42% من العاملات هن السند المالي لعائلتهن. كذلك فإنّ قرابة 54% من العاملات هن من الجهات الداخلية، ترسلهنّ عائلاتهنّ للعمل بالساحل لتحصيل بعض الرزق للعائلة في ظلّ عزوف المناطق الساحلية على توفير اليد العاملة نظرا لهشاشته وسمعته في المجتمع. فتُجبر تلك العاملات لا فقط على ظروف العمل الصعبة والأجر البخس، بل كذلك على ظروف إقامة غير لائقة وحتى مضرّة للصحة في مبيتات ضيّقة يؤجرها لهنّ أصحاب نفس المصانع التي يعملن بها!

يمكن أن نتساءل: ماذا بعد؟ هل إن تحصّلت العاملات على حقوقهن كاملة وعلى أجور لائقة ستنتهي المشاكل ونعتبر أن الملف مغلق؟ هل سنغلق الملفّ حين سيتمّ تلافي جميع المشاكل البيئية المرتبطة بهذه الصناعة ولن تؤثّر عمليات دبغ النسيج على المائدة المائية؟

يمكن أن نجد بداية للإجابة على هذا التساؤل في تجربة عاملات مصنع ماموتاكس13. كانت العاملات هناك تعانين الإستغلال والمعاملات اللاإنسانية من صاحب المصنع إلى أن تمرّدن وشكّلن نقابة أساسية حسّنت شروط التفاوض معه وفرضن البعض من حقوقهن وتحسين المعاملة. إلاّ أنّ هذا لم يرق لأصحاب العمل: بعد مدّة قصيرة، تحجّجوا بالوضع المالي الصعب للشركة لكي يغلقوا المصنع ويمتنعوا عن سداد أجور شهر جانفي 2016. تلتها تحرّكات للعاملات انتهت باتّفاق في مارس 2016 تسترجع العاملات المعمل لإدارته بصفة جماعية وتقاسم الأرباح بينهنّ وفي نفس الوقت استرجاع ما تمّ سرقته منهنّ. لكن هيهات: لم تجد المؤسسة لا من يزوّدها بالموادّ الأولية ولا من يشتري منها منتوجها!

هنا يجب أن ندرك “خصوصية القطاع” وبصفة عامة جميع القطاعات الصناعية في تونس. فما يعبّر عنه بصناعة النسيج في تونس ما هي إلاّ مناولة (sous-traitance) في أسفل حلقات صناعات النسيج العالمية. فهي مصانع لا تعمل بمبادرتها الخاصة ولا تنتج شيئا بقدراتها الخاصّة، بل هي رهينة طلبات خصوصية من عمالقة النسيج العالميين، وهي طلبات بمواصفات دقيقة وآجال مضبوطة تستوجب نسق عمل يفرض على العاملات تجاوز الأوقات العادية ويحرمهن من حتى من الوقت الكافي لتناول وجبة منتصف النهار14، طلبات لا تمثل إلاّ الحلقة التي تتطلّب أقلّ اختصاصا ومهارة. أمّا الحلقات الأخرى فهي منتصبة في أماكن أخرى في العالم حسب ما فرضته الإمبريالية من تقسيم عالمي للعمل وللقيمة المضافة. فلا معنى لمصنع نسيج مختصّ فقط في حلقة الخياطة يعمل بصفة مستقلّة عن المنظومة الدولية للإنتاج! وبالأخص لا معنى لمصنع يعتمد التسيير الذاتي للعاملات بعد أن تمرّدن على أرباب العمل في حلقة إنتاج تبحث في كلّ فرصة وكلّ مكان عن تقليص “تكلفة العمل” واستغلال الهشاشة أينما وُجدت، ما يدفع بلدان الجنوب للتنافس فيما يسمّى “السباق نحو الأسفل”: التقليص من الحقوق والتقليص من الأجور وتفكيك قوانين الشغل وغيرها من الإجراءات في سبيل تحسين <<مناخ الاستثمار>> للمستثمر الأجنبي أو حتى المستثمر المحلّي.

مراكز الاتصال

سامي شابّ في منتصف العشرينات، متحصل على شهادة في الهندسة. أو في الفرنسية أو الاقتصاد أو الفلسفة أو علم الاجتماع. بطبيعة الحال لم تستوعبه “سوق الشغل” والتحق بجيش احتياط المعطّلين عن العمل. لكنه من بعض المحظوظين الذين يتقنون اللغة الفرنسية بعض الشيء فتمّ قبوله بأحد مراكز الاتصال. فيستيقظ كلّ يوم على الساعة السادسة ليحاول أن يصل باكرا إلى محطة الحافلة ويلحق على عربة يمكن أن تتسع له دون أن ترفس قدمه أقداما أخرى أو تُرفس15. قهوة صباحية سريعة وسيجارتان ثمّ يلتحق بالقاعة الكبرى ويضع “الميكروكاسك” على أذنيه وتنطلق رحلة الاتصالات: << Bonjour, je suis Simon, votre conseiller client>> (“صباح الخير، أنا سيمون، مستشار الحرفاء”). بعد بضع سنوات، سيكون محظوظا بعض الشيء إن لم ينسَ ما تعلّمه طيلة دراسته ويجد عملا في اختصاصه. عدى ذلك، فمن المرجّح أن تلحقه بعض الأمراض: أوّلها نقص السمع وبعض المخلفات الأخرى على الأذن من كثرة استعمال “الكاسك”. من المرجح كذلك أن يزيد في الوزن ويؤثر ضغط العمل في مركز الاتصال (يجب الردّ على المكالمات في أقل من ثلاثة ثوان، يجب إظهار التعاطف مع المتّصلين وفهم طلباتهم والخضوع لرغباتهم…) وساعات العمل الطويلة إلى مزيد إدمانه بالتدخين وارتفاع في ضغط الدم أو منسوب الكوليسترول16.

مراكز الاتصال هي من أكثر الأماكن تعبيرا عن كافكاوية الوضع في تونس وبلدان الجنوب عموما التي أجبرت على اتباع سياسات الإصلاح الهيكلي والتقليص من النفقات وكبح القروض الداخلية وتشجيع الاستثمار الأجنبي: 16.676 تونسية وتونسيا17 حملتهم.ن أمهاتهم.ن تسعة أشهر، احتضنتهم.ن المجموعة الوطنية وتكوّنّ وتكوّنوا في المدارس والجامعات التونسية مدّة ستة عشر سنة على الأقل. هناك من اختصّـ.ت في الهندسة أو في الاقتصاد أو في اللغات أو في العلوم الاجتماعية. سهر ليالي ودروس خصوصية وامتحانات وزغاريد وتهان عند الحصول على الباكالوريا ثم الشهادة العليا. لسنَ وليسوا من أصحاب “الشعب النبيلة” ليهاجروا <<هجرة شرعية>> للعمل في أحد بلدان الشمال ولا من صاحبات وأصحاب القلوب المغامرة ليركبوا قاربا يشق البحر نحو جزيرة إيطالية. لكن كان لهمـ.ن القدرة على الحديث باللغة الفرنسية بطلاقة، ما فتح لهمـ.ن فرصة الالتحاق بأحد مراكز الاتصال هذه التي “استثمرت” في تونس. “ينصحون” حرفاء فرنسيّين لإحدى شركات الاتصال أو يتّصلن مباشرة بالناس ليقنعنهم بمفاتن هذا المنتوج أو ذاك. في قاعات واسعة مليئة بضوضاء اتصالات زميلاتهم وزملائهم في فضاء العمل وتحت ضغط ومراقبة الرئيس المباشر الذي يعمل هو بدوره تحت ضغط سلسلة رؤسائه. كلّ ذلك من أجل ضمان راتب يحقق الحدّ الأدنى من الحياة الكريمة. وتكون فرصة للدولة لتعبئة بعض الدولارات والأوروات في مخزون العملة الصعبة تحت يافطة “التشغيل”.

لا تختلف حالة مراكز الاتصال عن حالة مصانع النسيج إلاّ نسبيّا من زاوية ظروف العمل ومستوى الأجور. لكن ما تتيحه لنا هذه الحالة هي إمكانية تحليلها دون تشويش عامل “البضاعة”. فمصانع النسيج تنتج بضاعة ملموسة نراها بالعين المجرّدة ونرى إذا “قيمتها”، و”قيمة” البضاعة بالنسبة لنا تُضفي “قيمة” للعمل. هكذا تشكّل وعينا وتمثّلنا للعالم، حتى من كان منّا الأكثر تقدّما في الفكر الشيوعي: يجب علينا أن “نُنتج”، ويجب أن نتحلّى بـ “ثقافة العمل” ونعيب “الخاملين” وغيرها من رواسب مختلطة من الحسّ المشترك ومن الإيتيقا البروتستانتية وتُضاف إليها يسارا الثقافة الستاخانوفية الستالينية. كلّ تلك الأسباب تمنعنا غالبا من تناول العمل من زاوية قيمته الاجتماعية -أي فائدته للمجتمع عموما لا فقط فائدته للطبقة المالكة وتوابعها- وخاصّة منه العمل الصناعي. فحتّى إن قبلنا أنّ بعض المهن لا قيمة اجتماعية لها (الشرطي، البنكاجي، مسؤول الموارد البشرية، “الخبير” الاقتصادي، مختصّ التسويق…) وأنّ بعض المهن الأخرى يمكن أن تكون لها قيمة لكنّها حاليا أدوات هيمنة إيديولوجية وإعادة إنتاج التراتبية الاجتماعية (مهن التعليم والثقافة والصحافة…) فإنّنا نقبل بصعوبة أن يكون عرق الكادحات بلا قيمة. ما تتيحه لنا مراكز الاتصال هي تسهيل لقبول ذلك.

مراكز الاتصال مثلها مثل مصانع النسيج لا يمكن أن تنتصب لحسابها الخاصّ خارج حلقات الإنتاج العالمية: لا يوجد مركز اتصال تونسي واحد يعمل لحسابه الخاص ويتحكّم في طلبيات حرفائه. مثلها مثل مصانع النسيج تستغل ما يعبّر عنه بالامتياز المقارن التونسي وهو بخس اليد العاملة، في حالة مراكز الاتصال نتحدّث عن بخس اليد العاملة المتقنة للّغة الفرنسية أو لغة أجنبية أخرى. مثلها مثل مصانع النسيج مفتوحة للاستثمار الأجنبي والمحلّي بما يرافقه من امتيازات للمؤسسات المصدّرة كليا. مثلها مثل مصانع النسيج تنتج بضاعة غالبها موجه للسوق الخارجية. لكن في حالتنا هذه تتمثل البضاعة في بعض النصائح والتوجيهات لحرفاء حرفاء مشغّليهم (شركات اتصال، شركات تحويل أموال…) حول آليات وأجهزة وعروض تجارية وغيرها لتكون حياة الفرنسي سهلة ومريحة.

فلنقم بالموازنة من زاوية اقتصادنا المحلّي. في العائدات: أجور للموظّفين وبعض الفواتير ومعاليم الكراء، يتمّ تحويلها بالعملة الصعبة من الخارج لتذهب إلى احتياطيّ الصرف بالبنك المركزي18. يقوم البنك المركزي بطبع المبلغ المقابل بالدينار ليدخل الدورة الاقتصادية. عمليّا إذا، يتمّ خلاص الأجور والمعاليم المُستوجبة عن طريق عملية طبع للعملة. من زاوية الدورة الاقتصادية التونسية الداخلية، هي فقط طبع للعملة. أما في خانة التكاليف: بصفة مباشرة مجهود بشري وطاقة عامل يومية. تكاليف نقل لآلاف العاملات والعمال. إدمان على التدخين والأدوية المهدّئة. بصفة مؤجلة هي أمراض شغلية (صداع، أمراض الأذن والعين، أمراض الظهر، ضغط نفسي…) تتحمّل تكاليفها المنظومة الصحية التونسية. بصفة خفية هي سنوات تكوين منظومة تربوية كاملة يتمّ إهدارها في نشاط لا يضيف شيئا. لكن بالخصوص هي حياة آلاف من الشباب وأحلامهم وكرامتهم وحقوقهم يتمّ رحيها في ماكينة الشركات المعولمة الباحثة عن “مناخ الاستثمار” الجيّد، أيّ اليد العاملة الكفؤة والبخسة الثمن وعن القوانين الشغلية الهشة والنقابات الضعيفة.         

الهجرة

الهجرة هي جانب أساسي في سياق تحليلنا للهيمنة الإمبريالية في بلادنا وفي سائر بلدان الجنوب. إلاّ أنّه بصفة عامة يطُرح من زاويتين ضيّقتين نوعا ما حسب نوعيّة الهجرة ومسالكها. فهي إمّا زاوية نُخبوية عند الحديث عن هجرة الأدمغة بسبب “قلّة الفرص” في الوطن الأم لبناته وأبنائه. وإمّا من زاوية “التقلبات” السياسية في بلدان الجنوب (الثورة في تونس، الحرب الأهلية السورية أو الأوضاع الاقتصادية في إفريقيا بصفة عامة). ما يتمّ تغييبه في كلتا الزاويتين هي مسؤولية بلدان الشمال في هاته المآسي الإنسانية خاصّة فيما يخص الضحايا التي يحصدها البحر المتوسّط بالآلاف سنويّا.

الهجرة في مظهرها الحديث (أي في القرن الأخير) هي ظاهرة خلقها الاستعمار وانتفع منها ولا يزال. وقبل أن تكون هذه الهجرة نحو الشمال، كانت هجرة من الريف نحو المراكز الحضرية لبلدان الجنوب بعد التدخلات الاستعمارية في كسر أنماط الملكية الفلاحية الأولى وخاصة في فترة ما بين الحربين بعد إدخال المكننة ووسائل الإنتاج الحديثة وتعميم الأشجار المثمرة حيث ما كان مجالا حيويا للبدو ومربّي الماشية وكذلك طرد الفلاحين الصغار لافتقارهم لحجج ملكية كما تريدها البيروقراطية الاستعمارية19. وتؤكّد الأرقام استفحال الهجرة الداخلية نحو المراكز الحضرية وخاصّة منها العاصمة. فبينما كان توزّع السكان متعادلا من جهة لأخرى سنة 1936، فقط تطوّرت نسبة السكان في الشمال الشرقي من 21,9% إلى 29,7% من سنة 1936 إلى سنة 1956 وانخفض في نفس الفترة من 20,7% إلى 18,5% في الجنوب ومن 22,2% إلى 21,4% في المناطق الغربية (التل الأعلى) ومن 12,2% إلى 10,1% في الوسط20. في المجمل، وفي نفس الفترة، ارتفعت نسبة السكان القاطنين بمناطق حضرية من 20,4% إلى 28,9%.

وقد نظّمت القوة الاستعمارية انطلاقا من تلك الفترة هجرة احتياطي العمل الذي أفرزته التقلبات الاستعمارية على النمط الفلاحي، فقد بدأت بذلك في الجزائر والمغرب وقد نظّمتها الدولة الفرنسية وهيّأت لها المناخ السياسي والقابلية لدى مواطنيها وذلك في إطار مرافقة الازدهار الاقتصادي الذي شهدته دول الشمال بعد الحرب العالمية الثانية21. فقد تطوّر حاصل الهجرة من الجزائر إلى فرنسا من 111.000 سنة 1931 إلى 150.000 سنة 1937 ثم 212.000 سنة 1954 وصولا إلى 355.000 سنة 1962. أما في تونس فقد تأخر تنظيم هذا النوع من الهجرة لكن عدد العاملين التونسيين المسجلين في فرنسا كان قد بلغ رغم ذلك عدد 52.159 سنة 1964 ليتطوّر إلى 149.274 سنة 1973 قبل أن تغلق فرنسا باب الهجرة في وجه بلدان الجنوب إثر الأزمة البترولية الأولى. لكن حسب بعض التقديرات فإن العدد الحقيقي المحتمل للعمال المهاجرين (العرضيين او الدائمين) في تلك الفترة كان يتراوح بين 200 و300 ألف مهاجر22.

بطبيعة الحال، لم تكن الهجرة حلما بالنسبة للمهاجرين الاوائل بل كانت حلاّ وقتيّا لتحسين الأوضاع وهو ما يصفه عالم الاجتماع عبد المالك صياد في مؤلّفاته عن الهجرة. الهجرة كانت دائما أمرا وقتيّا في أذهان هؤلاء. أما بالنسبة للدولة المتحصّلة حديثا على استقلالها السياسي، فكان كذلك حلاّ لأزمة البطالة التي خلّفها النمط الاستخراجي الاستعماري وفقر البنية التحتية الصناعية. لكن الهجرة كانت أيضا فرصة بالنسبة للدولة التونسية للحصول على العملة الصعبة التي تأتي من تحويلات المهاجرين. يجب التذكير هنا دائما وأبدا أنّ الدولة التونسية خصّصت 13% من ميزانيتها الأولى (تقريبا مبلغ 6,6 مليون دينار تونسي) لخلاص الديون التي تركتها الدولة الاستعمارية23، وهي ديون تمّ على أساسها تهيئة البنية التحتية التونسية (من طرقات وسكك حديدية وكهرباء) لتسهيل شحن الموادّ المستخرجة وضعتها فرنسا على عاتق الدولة التونسية. كذلك يجب التذكير دائما أن ما سمّي بالجلاء الزراعي كان في الأصل عملية شراء الأراضي التي استحوذ عليها المعمّرون بقرض فرنسي بمليار فرنك (أي ما يعادل تقريبا وقتها مليون دينار تونسي) تمّ خلاصها على مدة سنوات بفضل صادرات النبيذ24.

بعد غلق باب الهجرة للعمل من دول الشمال في 1974، تنوّعت واجهات الهجرة وبدأت تذهب نحو البلدان المصدرة للبترول في الخليج وكذلك ليبيا. وهو ما يفسّر أنه رغم انخفاض نسق الهجرة مقارنة بالعشرية 65-74 من قرابة 12% إلى ما أقل من 7% في الفترة الموالية فإنّ الهجرة لم تتوقّف تماما. فقد تحوّلت من يد عاملة صناعية موجهة أساسا لتغذية نموّ بلدان الشمال، إلى يد عاملة بترولية في البلدان المصدرة للبترول لكن كذلك بدأت ما سمّي بـ “هجرة الأدمغة” بعد أن استثمرت الدولة التونسية في نظام تعليمي قادر على تكوين الاختصاصات المتقدمة إمّا في الجامعات التونسية وإما عبر إرسالهم للدراسة في الخارج. تنقصنا الأرقام لتحليل تطوّر نسق الهجرة بين سنتي 1974 و1995 خاصّة أنّ تلك الفترة شهدت حدثين هامين: الأزمة مع ليبيا وعودة العمال التونسيين من هناك في أوائل الثمانينات أوّلا، وثانيا إرساء خطّة ما سُمي بالإصلاح الهيكلي سنة 1986. لكن ما يمكن رؤيته بوضوح هو استرجاع نسق تصاعدي انطلاقا من سنة 2000 وهي السنة التي شدّدت الدولة التونسية التزامها بسياسة التقشف حيث نزل معدّل التطور السنوي لميزانية الاستثمار من قرابة 11% بين 1989 و2001 إلى 6% من 2001 إلى 2010 25. في نفس الفترة، نشهد ارتفاع نسق الهجرة من معدّل سنوي بـ 3% إلى 5,3%.

السنة عدد التونسيات والتونسيين المقيمين بالخارج معدّل التطوّر السنوي في الفترة
1965 52.159  
1974 149.274 12,3%
1995 600.000 6,8%
2000 698.208 3,0%
2008 1.058.000 5,3%
2012 1.223.271 3,6%
2014 1.325.690 4,1%
تطوّر عدد التونسيات والتونسيين بالخارج من 1965 إلى 2014 26

هذه الأرقام تخصّ جميع التونسيات والتونسيين بالخارج، أي من العاملات والعاملين الذين نشأوا في تونس ثم هاجروا لكن كذلك أبناؤهم وبناتهم الذين ولدوا بالخارج والجيل الثاني والثالث للهجرة. في دراسة قام بها المعهد الوطني للإحصاء ونشرها مؤخرا، تمّت دراسة تدفقات الهجرة للسنوات العشر الأخيرة27. من 2010 إلى 2019، هاجر 262.190 تونسية وتونسي أي بمعدّل يقدّر بـ 26.000 مهاجر.ة سنويا على مجموع 566.000 مهاجرة ومهاجرا.

ما يمكن ملاحظته أوّليّا هو التأثير المباشر للسياسات الداخلية. فمن معدّل سنويّ بـ17.000 مهاجر.ة سنويا بين 2012 و2014، ارتفع الرقم إلى ما يقارب 32000 بين 2015 و2019. وكان هذا نتيجة مباشرة من التحول من سياسة توسعية قامت بها حكومات النهضة -بقطع النظر عن غاياتها ونواياها ومن تمّ انتدابهم- إلى سياسات تقشفية بدأتها حكومة المهدي جمعة بقيادة وزير المالية حينها “الرفيق” حكيم بن حمودة28 مع إعادة البنك المركزي إلى الواجهة كعنصر فاعل في السياسات العمومية -فعليا- ويجلس محافظ البنك المركزي على يمين رئيس الحكومة – رمزيا29. وقد كانت ميزانية 2015 التي أعدّها “الرفيق” للحكومة الموالية أوّل ميزانية يتمّ فيها تقليص عدد الموظفين في التاريخ الحديث للدولة التونسية30.

لكن حين ندقّق في أرقام المهاجرات والمهاجرين خلال الخمس سنوات الأخيرة ما يلفت انتباهنا هو رقم المهندسين والأطباء. فقد هاجر في هذه الفترة 3300 طبيبة وطبيبا و39.000 31 مهندسة ومهندسا، أي بمعدّل 660 طبيب.ة و قرابة 7.980 مهندس.ة سنويا. وإن كان يمكن تفسير عدد الأطباء بسياسة التقشف التي تمارسها الدولة والتدمير الممنهج للبنية التحتية الصحية للبلاد، فإن الأمر يختلف قليلا بالنسبة لقطاع الهندسة. بداية فإنّ الدولة تسلّم سنويا زهاء 8000 شهادة مهندس من مختلف مدارس تكوين المهندسين بالبلاد (منظومة المعاهد التحضيرية ومنظومة مدارس الدراسات التطبيقية والتكنولوجية والتكوين الخاص) أي أنّ الدولة عمليا تكوّن المهندسين خدمة للسوق الخارجية. لكن حينما ندقق قليلا في الاختصاصات، فإنّنا نلاحظ أن 60 مسارا تكوينيا من بين 223 هم في اختصاص الإعلامية32، أي 27%… ماذا يمكن أن تفعل دولة من دول الجنوب مثلنا بهذا الكم الهائل من الاختصاصات في الإعلامية والتي تستقطب أغلب الأوائل في المناظرة الوطنية للدخول لمدارس المهندسين؟ أيّ مكان للمهندسين الفلاحيين33 ؟ أيّ مكان لمهندسي البناء والأشغال العامة؟ ومهندسو الطاقة وغيرهم من الاختصاصات الحيوية كثير… لكنّ الدولة تفضّل العمل على الزيادة في مسارات تكوين مهندسي الإعلامية.

السبب واضح وجليّ: الجميع يعلم أنّ هؤلاء سيهاجرون ويعملون لدى شركات أجنبية خدمة للسوق الأجنبية والشركات المتعددة الجنسيات الكبرى، إمّا مباشرة أو لدى إحدى الشركات الوكيلة الأصغر حجما. ثم يرسلوا “مداخيل عملهم” بالعملة الصعبة إلى الدولة التونسية. قد تتغير الأزمنة والسياقات، لكن جوهر الإقتصاد لم يتغيّر: هذه الدولة تحتاج أكثر من أي وقت مضى للعملة الصعبة. في آخر تقرير للبنك المركزي (حول سنة 2020)، حصلت الدولة التونسية على 6657 مليون دينار من العملة الصعبة بفضل العاملات والعاملين بالخارج. ويمثل هذا المبلغ مثلا أكثر من ثلاثة أضعاف المداخيل السياحية و12,6% من المداخيل الاعتيادية بالعملة الصعبة. وقد عادل هذا المبلغ ما دفعته الدولة التونسية ككل (قطاع عام وخاص) لخلاص أصل الديون الخارجية (6508 مليون دينار).

تعمل الدولة التونسية إذا بجميع أجهزتها التربوية والتكوينية لا من أجل تكوين “كفاءات” يخدمون أهدافا واستراتيجيات على المستوى الوطني، بل استجابة لما تطلبه سوق العمالة العالمية من اختصاصات وتقنيات خدمة لمزيد توسّع رأس المال. مقابل ماذا؟ مقابل ستة آلاف مليون دينار سنوية أو ما يعادلها تدخل للاقتصاد التونسي بنفس الشكل الذي وصفناه أعلاه: هي بعض الآلاف من الاوروات أو الدولارات يرسلها العاملات والعاملون بالخارج، يتمّ تحويلها عندما تصل نقطة عبور البنك المركزي (أو أحد البنوك المحلية) إلى عملة محليّة، وتبقى الدولارات والأورووات في مخزون العملة الصعبة34 – لتعود فيما إلى النظام المالي العالمي خلاصا للديون- بينما يتمّ طباعة المبالغ المقابلة من الدينارات لتصل غايتها “المحلية”.

مجتمع يعمل برمّته من أجل تكوين مئات الآلاف ليعملوا لدى الإمبريالية ليُسمح للبنك المركزي بطبع بعض العملة المحلية مقابل بعض العملة الصعبة التي تذهب خلاصا للديون.

أية قيمة للعمل وأيّ مستفيد من الإنتاج؟

يمكننا أن نعدّد الأمثلة أكثر وأكثر، لكن أظن أن المعنى واضح لمن لا تعوزه حسن النيّة. نحن مورّطون واقتصادنا مورّط وحياتنا الاجتماعية مورّطة في حلقة دوران تُعطي أكثر إنتاجها خارج حدود الوطن. و لكي لا أفهم خطأ، لا مانع أن نكون كمجموعة وطنيّة سبب وفرة للعالم. إلاّ أنّنا اليوم لسنا أسباب وفرة إلاّ لدول الشمال وأصحاب رؤوس الأموال المعولمة التي تستغل هنا وهناك ما تيسّر من العمالة البخسة وتستخرج ما توفّر من الموادّ الأولية سهلة الشروط في بلدان الجنوب: لا نقابات قوية تقف أمام رأس المال الأجنبي ولا هواجس بيئية يمكن أن تُقلق راحة الرجل الأبيض. وفي نفس الوقت نمثّل نقمة بالنسبة لمثيلاتنا من بلدان الجنوب في سباقنا معهم نحو الأسفل: من سيكون الأنجع في تحسين <<مناخ الاستثمار>> من تفكيك لقوانين الشغل وحطّ من قيمة العملة وتوفير العمالة ذات الكفاءة الدُنيا؟ أيّ بلدان ستذهب أبعد من مثيلاتها للتضحية بمئات الآلاف من مواطنيها في سبيل تحقيق العائدات اللازمة من العملة الصعبة لخلاص الديون وتحويل أرباح المستثمرين الأجانب والاستجابة للحمى الاستهلاكية لأقلية؟

بالنسبة للمهاجرات والمهاجرين فإن الأمر محسوم بالنسبة لهم.ن: هذا الوطن لا يتّسع للجميع. لا يتّسع لأحلامهم ولا حتّى لحياتهم. أمّا بالنسبة للعاملات والعمال في مختلف الشركات المصدّرة كليّا وحتى جزئيا، فإن الحدّ الأدنى من الحقوق هو دائما محلّ مفاوضة. فالمعركة بالنسبة إليهم ليست مباشرة مع صاحب المؤسسة بل هي مع <<حريف>> وراء البحار لم ولن يرونه أبدا. هنا نحن لا نتحدّث عن الحريف الذي يتّصل بهم على الهاتف ولا نتحدّث عن الحريف الذي سيلبس ذلك الثوب الذي تنتجه العاملات. يقول الباحث في علم الاجتماع السياسي محمّد سليم بن يوسف أنّ نسق العمل ومتطلّباته وحتى ديمومته في المؤسسات المصدّرة كليا مثل مصانع النسيج ومراكز الاتصال هي مرتبطة أساسا برغبات الشركات الكبرى التي توكل إليها أجزاء من حلقات الإنتاج الدنيا: نشاط مصنع النسيج هنا مرتبط بطلبيات هؤلاء الحرفاء الذين يفرضون نوعية المنتوج وسعره وآجاله ولا مجال للمفاوضة. وإن طلب صاحب العمل هنا ترفيع الأسعار فإن الحريف من وراء البحار سيذهب مباشرة إلى مصنع آخر إمّا في نفس البلاد أو في بلاد أخرى تقدّم شروطا أكثر <<تنافسية>>. إن قامت العاملات بالمطالبة بمزيد من الحقوق فهنّ تضعن تلك الشروط التنافسية في خطر. إن قُمنَ بإضراب فهنّ يضعن الآجال التي يجب أن تقدّم قبلها الطلبية في خطر. كذلك بالنسبة لمراكز الاتصال: هذه نشاطات تستوجب فقط إتقانا للغة الفرنسية وقدرة على فهم طلبيات الشركات الحريفة الآتية من وراء البحار. وإن وجدت شروطا أكثر تنافسيا في مركز اتصال في المغرب مثلا فهي سترحل ولا عزاء للعمال.    

كل هؤلاء يعيشون وجوبا داخل شبكات العولمة الرأسمالية ولا “قيمة” لعملهم خارجها! يمكن أن ننشئ عشرات مراكز الاتصال ومئات مصانع النسيج المماثلة للمصانع الموجودة. دون طلبيات من الخارج وحرفاء من وراء البحار، لن تعمل تلك المراكز ولا تلك المصانع. هي إذا أعمال مرتبطة عضويّا بما يوجد في بلدان الشمال وتستجيب لإرادتهم وتترنّح لأزماتهم. أليس هذا أحسن تعريف ممكن لاقتصاد استعماري؟ نحن هنا لا نتحدّث عن استعمار من دولة لدولة، فقد انتهى ذلك الزمان. الصيغة اليوم أكثر تطوّرا: مثل عاملات النسيج اللواتي لا تجدن صاحب عمل تواجهنه بمطالبهن وتطالبنه بحقوقهن بما أنّ صاحب القرار هو ذلك الحريف من وراء البحار الذي له مطلق الحرية في اختيار من سيستجيب لرغباته، فإننا لا نجد دولة واضحة المعالم تمارس هذه السياسة الاستعمارية: إنها بلدان الشمال التي شكّلت نفسها كطبقة لذاتها ضدّ شعوب الجنوب التي تشكّل اليوم بروليتاريا العالم لكنّها تُمنع بسياسة السباق نحو القاع وبشتّى الوسائل الاستعمارية من أن تتشكل كطبقة لذاتها. ومثلما تستخرج بلدان الشمال الموادّ الأولية والثروات الفلاحية والمنجمية بأبخس الأثمان، هي كذلك تستخرج قوة العمل من أجساد الجنوب المنهكة في سبيل تواصل المراكمة الرأسمالية في الشمال.

هي منظومة عالمية. لسنا منخرطين في أية نظرية مؤامرة، بل هو واقع عرق العاملات وأمراض شباب مراكز الاتصال ولوعة المهاجرات والمهاجرين من جميع بلدان الجنوب التي تقول ذلك. وكلّ ذلك مقابل مبالغ زهيدة من العملة الصعبة لا تُترجم محليا سوى بطباعة المبالغ المقابلة لها بالعملة المحلية. لا يجب أن نخاف من إعادة الأسامي على المعاني: ليست فرنسا فقط: إنها الإمبريالية. إنها بلدان المركز. إنها بلدان الشمال. ليست عولمة. هي سياسات استعمارية في خدمة رأس المال المتراكم شمالا. في المركز. لا يمكن إذا الحديث عن خلاص ديون في مثل هذه العلاقات اللامتكافئة: الحد الأدنى من الحياء يفرض علينا الحديث عن سلاح المديونية الذي تستعمله الإمبريالية كمدفعية ضد شعوب الجنوب35 لا عن “مستويات تداين مرتفعة تهدد قدرتنا على خلاصها”. فما الفرق بين الوضع الحالي وبين أن يبقى جميع هاته العاملات وشباب مراكز الاتصال في منازلهم وتُطبع رواتبهم مباشرة من البنك المركزي؟ الفرق هو حفنة الدولارات.

ليس عملا. إنها عبودية الديون.

فلنقم بعملية حسابية بسيطة: يوجد في تونس 4.188.000 من السكان الناشطين (أي قادرين على “العمل”) وتقريبا 566.000 مهاجرة ومهاجرا منهم 11,8% من أجل الدراسة أي تقريبا 500.000 هاجروا وهم قادرون على العمل. أيّ أن تونس فيها ما يقارب 4.700.000 من الناس قادرين على العمل. من بينهم 500.000 مهاجرة ومهاجرا، من بينهم كذلك قرابة 390.000 يعملون في القطاعات المصدرة كليا36. 400.000 منهم يعملون بصفة مباشرة أو غير مباشرة في القطاع السياحي37. كذلك كم من عاملة وعامل فلاحي من بين الـ 420.000 38 الذين ينشطون في القطاعة الغير المنظم (والذي يمثل 85% من جملة اليد العاملة الفلاحية) يُستنزفون في فلاحة موجهة للتصدير من قوارص وزياتين ودقلة وصيد بحري؟ ولنتحدّث كذلك عن قطاع التربية والتعليم والتعليم العالي الذي تعمل أجزاء كاملة منه لـ “تصدير” اليد العاملة الكفؤة مثل مدارس الهندسة؟ كذلك يمكن أن نتحدّث عن كل تلك النشاطات التي تحيط بالمؤسسات المصدرة كليا والتي توفّر لها بعض الخدمات، وهذا حال أغلب الناشطين في قطاع النسيج حتى وإن لم يكونوا هم من المصدّرين كليّا. ولم لا نتحدّث عن الـ 100.000 عون في وزارة الداخلية التي تعمل لا لحماية المواطن بل لحفظ النظام العام لهذا الإقتصاد الإستعماري ضدّ الحركات الإحتجاجية وممارسة السيطرة الإجتماعية على أبناء الأحياء الشعبية (نتذكر كلّنا مشاهد البوليس الذي سحل ذلك الطفل في سيدي حسين والتي دفعت الكثير للحديث عن بوليس احتلال) … أظنّ أنّنا لن نبالغ إن قلنا أنّ مليوني تونسية وتونسي يعملون بصفة مباشرة أو غير مباشرة في خدمة الإمبريالية. أو بالأحرى في عبودية الديون. نصف طاقة عمل وطن كامل تستنزفها الإمبريالية.

أي اقتصاد وطني يمكن بناؤه في ظلّ تحوّز الإمبريالية على كل هاته اليد العاملة وخرّيجي أكثر الشعب تقدّما وتخصّصا؟ فما يعبّر عنه بالاقتصاد يُبنى أوّلا وقبل كلّ شيء بالسواعد والعقول وأغلب سواعدنا وعقولنا تعمل من أجل الإمبريالية ويمكن أن نعتبر أنفسنا محظوظين إن كنا لا زلنا نجد أطباء وممرضين والحدّ الأدنى من الخدمات الإدارية وبعض الفلاحات والفلاحين وعمال نظافة لتستمرّ بعض الحياة. يقولون أنّنا يجب أن نتحلّى بروح المبادرة وحب المغامرة من أجل بعث المشاريع وتنشيط الحركة الاقتصادية… ماذا نسمّي إذا الـ 680.000 مواطنة ومواطنا الذين يعملون لحسابهم الخاصّ في القطاع الغير منظم من بائعي المناديل الورقية والكاكي والكسكروتات حذو المدارس والمصانع والإدارات وفي أروقة الميترو؟ أليسوا “مبادرين” كما يسمّيهم هؤلاء. سينعتون مثلا الـ 600.000 معطّل عن العمل بالخاملين والفاقدين لروح المبادرة… لهؤلاء  نقول أنّ هنالك مثلا 7.000 يعملون كبرباشة، يبحثون في القمامة عمّا تيسّر من البلاستيك، في شتّى الظروف المناخية، دون وسائل وقائية وحتى في قلب فترة الوباء ليبيعوه آخر النهار ب800 مليم الكيلوغرام: ألا يعتقد هؤلاء أنّ جميع مواطن الشغل الممكنة قد تمّ سدّ الفراغ فيها؟

عن أيّ زيادة في الإنتاج إذا يتحدّثون؟ أيّ خلق للثروة هم بها حالمون؟ وأيّ خلاص للديون هم به واهمون؟


1. Diane Robert, Reportage à Redeyef, Derrière les coupures d’eau, les horizons bouchés du phosphate Nawaat, 31/03/2017

2. أنظر.ي مثلا: أمينة الزياني. قابس، مدينة موت في قبضة الفسفاط. المفكرة القانونية، 6 أفريل 2021. و أمل المكّي. قصّة أحمد، معركة أبناء الحامة ضدّ الفوسفوجيبس. إنكفاضة، 28 مارس 2019.

3. حمّادي لسود وأحمد زرّوقي. توقّف مجمع قابس الكيميائي، فرحة متقطّعة زمن التلوث. نواة، 7 أوت 2020.

4. Alberto Costa Extractivisme et Néo-Extractivisme: Les deux faces d’une même malédiction. Dial-Diffusion de l’Information sur l’Amérique Latine, Juillet 2014.

5. Hamza Hamouchane, Extractivisme et Résistance en Afrique Du Nord. The Transnational Institute, 20/11/2019.

6. عبارة لناومي كلاين.

7. أو اليورو، او اليان، او أي عملة صعبة تسمح بتعديل الميزان التجاري وخلاص الديون.

8. في مؤلّفه العظيم <<5000 سنة من تاريخ المديونية>>.

9. أنظر: صندوق النقد وذاكرة الإصلاحات المفقودة - الأسس النظرية للإصلاح الهيكلي. موقع إنحياز، 30 ماي 2021.

10. Hickel, Jason. The Divide - A brief guide to global inequality and its solutions. Heinemann (2017).

11. إنتهاكات الحقوق الإقتصادية والإجتماعية للمرأة في قطاع النسيج (المنستير نموذجا). المنتدى التونسي للحقوق الإقتصادية والإجتماعية، ماي 2012.

12. سعيد بن سدرين و منجي عمامي. مستقبل قطاع النسيج والملابس والجلود والأحذية. دراسة للإتحاد العام التونسي للشغل مموّلة من المنظمة الألمانية فريدريش إيبيرت. أكتوبر 2021.

13. Haifa Mzalouat et Erige Sehiri. L’autogestion de l’usine Mamotex: Une désillusion pour les ouvrières. Inkyfada, Juillet 2016.

14. أنظر تقرير المنتدى المذكور أعلاه.

15. للأمانة المعرفية فإن مراكز الاتصال الكبرى تخصص حافلات خاصة لنقل عملتها.

16. Conditions de travail et santé dans les centres d’appels téléphoniques, INRS (2011)

17. تقرير الاستثمارات المباشرة الأجنبية لسنة 2019.

18. أو يمكن أن تذهب في ممتلكات الصرف (avoirs en devises) لإحدى البنوك على الساحة، وهذا لا يغيّر في جوهر الموضوع شيئا.

19. Jean Poncet, La colonisation et l’agriculture européenne en Tunisie depuis 1881, Editions Mouton, Paris (1961).

20. Michel Picouet, Description et Analyse des Migrations Intérieures en Tunisie, Institut National de la Statistique, Tunisie (1970).

21. Abdelmalek Sayad, L’Immigration ou les Paradoxes de l’Altérité : 1. L’illusion du Provisoire, Editions Raisons d’Agir.

22. A Study on the Dynamics of Arab Expatriate Communities, International Organisation for Migration & League of Arab States (2012)

23. أنظر تقرير البنك المركزي لسنة 1959 في الصفحة 42.

24. أنظر مثلا تقرير البنك المركزي لسنة 1967 في الصفحة 47.

25. أنظر: صندوق النقد وذاكرة الإصلاحات المفقودة: 3.

26. الأرقام من ثلاثة مصادر:
Research on complex migratory flows in Egypt, Morocco and Tunisia, International Organisation for Migration (2012).
A Study on the Dynamics of Arab Expatriate Communities, International Organisation for Migration & League of Arab States (2012).
دليل الإحصائيات الإجتماعية، وزارة الشؤون الإجتماعية، تونس (2014).

27. Rapport de l’Enquête Nationale sur la Migration Internationale Tunisia-HIMS. Institut National de la Statistique, Observatoire National de la Migration (2021).

28. أو بالأحرى الذي ينسب لنفسه جزافا نعت "الرفيق" والشيوعية والله منه براء! وإن كنا نبحث عن تعبيرة لحالة الإرتباك الفكرية السائدة، فإن هذا الشخص خير مثال لها بأن يتمّ استدعاءه على جميع الموائد يمنة ويسرة.

29. Hakim Ben Hammouda, Chedly Ayari, le grand économiste qui nous manquera. Leaders, 9/02/2021.

30. أنظر تقرير البنك المركزي لسنة 2015 في الصفحة 37.

31. هناك تضارب مع أرقام قدمتها دراسة لعمادة المهندسين التونسيين، لكننا سنعوّل أكثر على أرقام معهد الإحصاء  لأسباب منها قلة نسبة انخراط المهندسين بالعمادة من ناحية و من ناحية أخرى بعض الثقة في أرقام المعهد الوطني للإحصاء -ومهندساته ومهندسيه-.

32. 2500 ingénieurs quittent le pays chaque année, L’économiste maghrébin, 11/01/2021

33. بطبيعة الحال، عندما نتحدث عن مهندسين فلاحيين، نحن لا نتحدّث عن الذين يكرّسون التقنيات الاستخراجية.

34. إمّا للبنك المركزي أو ممتلكات البنوك من العملة الصعبة، لأنّ العملة الصعبة في تونس تصبح سلعة يتمّ تداولها في سوق الصرف.

35. L’hériteau, Marie-France, Endettement et ajustement structurel, la nouvelle canonnière. Revue du Tiers-Monde (1982)

36. Statistiques issues du répertoire national des entreprises, Institut National de la statistique, 2021.

37. Le tourisme tunisien à l’agonie après deux ans de pandémie, Middle East Eye, 4/11/2021.

38. مؤشرات حول العمل غير المنظم، المعهد الوطني للإحصاء (2019).

أعجبك عملنا؟ يمكنك دعمنا وتعزيز استقلاليّتنا !