فيديو| الهوايديّة: عين الماء أم مقطع الحجارة؟ صراع فَلاّحي قرية جبلية ضدّ رأس المال الاستخراجي

نضالات اجتماعية – فلاحية – بيئيّة – طبرقة

تقرير من انجاز غسّان بن خليفة (تصوير وتحرير) ووجدي المسلّمي (مونتاج فيديو)

في أحضان جبال خمير يربض دُوّار (القرية الصغيرة) الهوايديّة، مُطِلاً على شواطئ مدينة طبرقة وحارسًا لمدخلها الشرقي. الاّ أنّ هذا المشهد الخلاّب الذي يحظى به أهالي الدوّار لم يُغنهم من مواجهة قبح الواقع الذي فرضته عليهم “دولة الاستقلال” وسياساتها “التنموية”. اذ يبدو أنّه لم يكفِ هذه الدولة حرمانهم من الماء الصالح للشراب عبر شبكة “الشركة التونسية للماء”، لتتركهم فريسة لشركات رأس المال الاستخراجي الذي بات يهدّد لا فقط نمط عيشهم الفلاحي الجبلي، بل وصل الى المساس بحقّهم في الحياة على أرضهم.

ولأنّ الماء أصل الحياة فقد مثّل عقدة الصراع موضوع هذا التقرير.

تلوّث عين الماء

يقول أهل الهوايديّة أنّ حياتهم لم تكن سهلة قبل انتصاب مقطع الحجارة التابع لشركة الاتحاد بالشمال الغربي في الجهة الخلفية لجبلهم، لكنّها صارت لا تطاق منذ أن تغيّر لون ماء “عين الجدود” الى الأبيض الآسن. وهم يقصدون بذلك ’عين ذُكّار’ التي تتوسّط دُوّارهم، وطالما شربوا منها وسقوا بمائها زراعتهم وروُوا بها دوابهم، ويتهّمون المقطع بأنّه لوّثها.

مقطعيْ الحجارة أجهزا على جزء من الجبل ويحاصران القرى الجبلية المجاورة

يقول الناس أنّ عين الماء كانت صافية زُلالًا الى أن لاحظوا قبل ستة أو سبع سنوات بداية تغيّر لونها نحو الأبيض المكدّر. ويفسّرون ذلك باكتشافهم أنّ عمليّات الحفر في المقطع قد نزلت عميقًا إلى مستوى الطبقة المائية للعيون، ممّا أدّى الى تلوّث ’عين ذُكّار’. وهو ما اضطرّهم الى شراء الماء الصالح للشراب وجلبه من أماكن بعيدة بعد أن كانوا يشربون مجانًا ماءً لا مثيل لعذوبتها، كما يقولون. كما يشتكون أيضا من استحالة استعمال الماء من أجل الاغتسال. ويؤكّد الأهالي أنّ ظاهرة تكدّر الماء تزداد أكثر عند تهاطل الأمطار. اذ يؤدّي ذلك الى تسرّب المزيد من التراب الأبيض الى المجاري التحتية للعين.

فكرة عن العمق الذي وصلته عمليات الحفر. ويقول الأهالي أنّ المستوى وصل الى ما هو أعمق وأنّ صاحب المقطع ردم جزءًا من الحفرة للتغطية على عملية تلويث العين. (صورة التقطت في شهر أوت المنقضي / غسّان بن خليفة)

ينفي الحبيب بن عيفة، مالك الشركة المستغلّة للموقع، هذه التهمة وقال في تصريح لـ انحياز أنّه يحترم كراس الشروط القانونية وأنّ السلطات المعنيّة تراقب عمله دوريًا ولم تؤاخذه بشيء. بل ويجادل صاحب شركة الاتحاد بأنّه ضحّية لمؤامرة من الأهالي.

وفي ظلّ عدم توفّر أيّ نتائج لتحاليل معلومة لماء العين، بادر موقع انحياز الى أخذ عيّنة وتقديمها الى التحليل “الفيزيوكيميائي” الذي يحدّد تركيبة الماء ومكوّناته. واثر محاولة أولى لاجراء التحليل لدى مخبر عمومي بولاية باجة، لم تنجح بسبب عطل تقني، تمّ عرض العيّنة في مخبر عمومي آخر بولاية المنستير. وقد أفادت نتجية التحليل (أنظر الوثيقة أسفله) في المستوى المجهري الى أنّ الماء يتميّز بجودة عالية لجهة الأملاح والكثافة والخ، تفوق بكثير ماء الحنفية في العاصمة مثلا، وبما يضاهي جودة المياه المعدنية المُعلًّبة. بيْد أنّ التحليل خلص في مستواه المرئي الى أنّ عيّنة الماء غير صافية بسبب ما فيها من رواسب، بما يجعلها غير صالحة للشراب.

تحليل عيّنة الماء التي عرضها موقع انحياز على مخبر تابع لوزارة الصحّة بالساحلين

الغبار الأبيض يغطّي على خضرة الأشجار

يقول المتساكنون أنّ الأمر لا يتوقّف على مصدر مائهم الأساسي، بل يمسّ كذلك زراعتهم من خضر وأشجار مثمرة. اذ يقول نبيل الترعاوي، الذي يقع بيته بين مقطع شركة الاتحاد غربًا ومقطع شركة الشباب شرقًا أنّ الغبار المنبعث، خاصّة من المقطع الأوّل، بصدد قتل أشجار الزيتون والتين بمزرعته الصغيرة. بل أنّه لم يعد قادرًا حتى على نشر الغسيل وتجفيفه بالحديقة بسبب ما يغمرها من غبار.

آثار غبار الموقع على شجرة تين بالهوايدية (صورة لغسان بن خليفة)

تصدّع المنازل والخشية من انهيار الجبل

لا تتوقّف مضار المقطع، كما يقول المتساكنون، على الماء والنبات والبشر، بل يشمل كذلك الحجر. اذ يشتكي عدد من المواطنين الذي تقع بيوتهم مباشرة تحت قمّة الجبل من التشقّقات التي تحدثها عمليّات الحفر الميكانيكي المستمرّة وما تصدره من ارتجاجات. بل يخشى البعض منهم من امكانية انهيار الجبل نفسه نظرا للعمق الكبير الذي بلغته عمليات الحفر.

وتشير الصور التي استطعنا الحصول عليها من موقع Google Earth Pro الى التغيّرات التي طرأت على المقطع. اذ يتبيّن بوضوح العمق المتزايد الذي نزلت اليه عمليّات الحفر منذ 2011.

موقف السلطات: من اللامبالاة الى التحرّك المحتشم

يؤكّد المواطنون أنّهم اشتكوا عديد المرّات الى السلطات المحلّية، تحديدا معتمدية طبرقة. اذ قدّموا اليها عريضة ممضاة من المواطنين سنة 2013. وقد تمّ وقتئذ ارسال خبير لتفقّد العين، لكنّهم لم يعرفوا شيئا الى اليوم عن فحوى تقريره. وقدّموا بداية هذا الصيف عريضة ثانية الاّ أنّه تمّت اجابتهم بأنّ المعتمد تمّت نقلته الى مقرّ الولاية. ولا يفهم المواطنون لماذا يجب أن يكون هناك معتمد من أجل ايصال شكواهم الى السلطات المختصّة بالمراقبة الصحية والبيئية، كما يستهجنون ردّ أحد المسؤولين بالمعتمدية الذي طالبهم باستقدام الموقّعين على العريضة لأخذ بصماتهم، عوض أن يتنقّل بنفسه لمعاينة المشكلة ميدانيًا.

الاّ أنّ عودة المواطنين الى التحرّك خلال هذه الصائفة دفعت على ما يبدو بعض الادارات الى منح شيء من الاهتمام للموضوع. اذ علم موقع انحياز أنّ الوكالة الوطنية لحماية المحيط أرسلت خبيرين نهاية الشهر المنقضي لزيارة مقطعيْ الحجارة المتواجدين في المنطقة. واثر تقديم موقع انحياز لطلب للنفاذ الى المعلومة بغية معرفة آخر تطوّرات الملفّ، حصلنا من قبل الوكالة على النسخة أسفله من التقرير المذكور.

وقد خلص تقرير الخبيرين، الذي أكّده لنا هاتفيا الخبير ياسين المرزوقي بالوكالة، الى أنّ المقطعين ارتكبا مخالفات عديدة استوجبت تحرير ثلاث محاضر قضائية لكلّ منهما. وتتمثّل أهمّ هذه المخالفات في:

  • عدم توفر التراخيص القانونية اللازمة في ممارسة النشاط (الصلوحية منتهية منذ أفريل 2019)،
  • سكب زيوت مستعملة في المحيط،
  • حرق نفايات صلبة متمثلة في مصافي زيتية مستعملة وخرق ملوثة بزيوت مستعملة في الهواء الطلق،
  • إستغلال عشوائي للمقطعين وارتفاع واجهات الإستغلال إلى علوّ يفوق 5 أمتار،
تقرير الخبراء الذي أمدّتنا به الوكالة الوطنية لحماية المحيط

وهو ما يعني عدم احترام المعايير القانونية المنصوص عليها بكراس الشروط. وأفاد الخبير المروزقي هاتفيا أنّ أحد المقطعين نزل الى عمق غير قانوني. ولا شكّ في أنّ الأمر يتعلّق بمقطع شركة الاتحاد الذي يتهّمه السكّان بذلك.

وأضاف المرزوقي أنّ تحرير محاضر المخالفات المالية وتوجيهها الى القضاء هو أكثر ما يمكن للوكالة القيام به لجهة العقوبات. اذ تكتفي الوكالة برفع تقرير خبرائها للجنة الجهوية المكلّفة برقابة المقاطع والمكوّنة من ممثّلين عن وزارات الصحّة والتجهيز والداخلية والفلاحة وأملاك الدولة والى ادارة الجسور والمتفجرات التابعة لوزارة التجهيز. وتعود للأخيرة صلاحية اتخاذ قرارات بغلق المقاطع عندما ترى سببًا فادحًا يستوجب ذلك.

مطلب الأهالي: اغلاق المقطع شرط لاستمرار الحياة…

لم يمثّل فحوى تقرير خبراء الوكالة ولا نتيجة اختبار عيّنة الماء مفاجأة لأهالي الهوايدية، بل أكّد بعضًا ممّا يقولونه منذ سنوات. الاّ أنّهم لا يفهمون كيف يمكن أن تتجاهل السلطات شكواهم طيلة هذه السنين، بل وتجيبهم عبر جهازها الأمني بالتهديدات، كما جرى مع المنصف الهوايدي، الذي يقول أنّه سبق لمسؤول أمني محلّي تهديده برميه في السجن لسنوات طويلة اذا استمرّ في الاحتجاج على المقطع وصاحبه. كما لا يفهم أبناء هذه القرية الفلاحية الجبلية كيف مازال المقطع مستمرًا في عمليّات الحفر رغم تأكّد عدم تجديده لرخصة الاستغلال، بما يجعله في وضع مخالف للقانون منذ حوالي ستة شهور.

واليوم، يقول أهالي الهوايدية أنّ صبرهم قد نفد… وأنّهم لم يعودوا على استعداد لمواصلة السكوت عن “قتل العين”، وتعطيشهم، تمهيدًا لاجتثاثهم من أرضهم…

أعجبك عملنا؟ يمكنك دعمنا وتعزيز استقلاليّتنا !