رأيْ | من أجل استفتاء حول الآليكا !

رأي – مسائل اقتصادية – حمزة ابراهيم

صديق الموقع، كاتب ديمقراطي واشتراكي

يوما بعد يوم، دراسة بعد دراسة، مقالا بعد مقال يتّضح لمن كان يشكّ في ذلك أنّ اتفاقيّة التبادل الحرّ الشّامل والمعمّق ليست اتفاقيّة سيّئة أو غير متكافئة بل هي اتّفاقيّة استعماريّة بأتمّ معنى الكلمة. تُجمِع جلّ الدّراسات على حتميّة هلاك الفلاحة الوطنيّة نتيجة إفلاس صغار ومتوسّطي الفلّاحين الذين يمثّلون حوالي 75% من مجمل الفلّاحين1. لا تقف تداعيّات هاته الإتّفاقيّة عند القطاع الفلاحي إذ تشمل قطاعات الخدمات والطّاقة وحتّى الصّحّة.

تبدو في نفس الوقت دراية الرّأي العام التّونسي بهذا الموضوع ضعيفة جدّا مقارنة بخطورته. فمِن المعروف أنّ الإعلام المهيمن يفضّل أخبار يوميّة أكثر إثارة أو بعض التّجاذبات الإنتخابويّة السّخيفة خاصّة مع اقتراب الإنتخابات. أمّا القوى التقدّميّة التي سجّلت بهذا الشّأن تأخّرا قد ندفع ثمنه باهظا، فيبدو أنّها قرّرت أخيرا ترفيع نسق الإحتجاجات تزامنا مع استئناف المفاوضات بين الحكومة والإتّحاد الأوروبّي.

عندما يتعلّق الأمر بالسّيادة الوطنيّة من المفهوم أن ننتهج شتّى السّبل التي من شأنها خدمة قضيّتنا، لكن السّبل المتاحة ليست كلّها مجدية. إذ لا يجب السّقوط في مربّع السّذاجة، فمسألة السّيادة الوطنيّة هي مسألة سياسيّة بامتياز (ولعلّ أفضل مثال على ذلك هو ما يحدث داخل الدّول المكوّنة لهذا الإتّحاد الأوروبّي المتقهقر). مثّل تشكيل ائتلاف التّصدّي للآليكا وتحرّكاته الأولى أملا جديدا نحو توسيع وتكثيف العمل التّوعوي حول مخاطر هاته الإتّفاقيّة. لكن تأتي العريضة الأخيرة التي أمضت عليها مجموعة من الأحزاب السياسيّة والمنظمات والجمعيّات كرجوع وامتداد لتمشّ لاسياسيّ دام سنين ولم يجدِ ولن يجديَ.

نتحدّث عن كلّ الطّرق البيروقراطيّة والنّخبويّة. على سبيل المثال إقامة اجتماعات أو لقاءات في مجلس النّواب لمحاولة إقناع نوّاب وكسب دعمهم والتّشكّل في صيغة لوبيّات “مجتمع مدني”. يجب هنا الرّجوع إلى بعض البديهيّات التي تتجاهلها العريضة التي “تدعو الحكومة التّونسيّة…” (ما يوافق التوسّل إليها في ظلّ غياب أي صراع موازين قوى جدّي):
– لا يوجد شيء يدعى “الحكومة التونسيّة”. هناك في تونس حكومة تحالف نيوليبيرالي- محافظ، أي حكومة برجوازيّة.
– هاته الحكومة منبثقة من برلمان ذو أغلبيّة نيوليبيرالية-محافظة. وعليه، فإنّ كلّ الدعوات لتدخّل برلماني ضدّ الآليكا لا معنى لها.
– “نوّاب الشّعب” هي كائنات سياسيّة لها مصالح حزبيّة وتوجّهات إيديولوجيّة وليسوا أفرادًا مجرّدين ومحايدين ينقصهم الوعي بمخاطر الآليكا.

يرجع هذا التوجه العام إلى سببين أساسيّين: أوّلهما ظرفي وهو عجز اليسار وضعفه، وثانيهما فلسفي ويتمثل في القناعات النخبويّة والديموفوبيّة المهيمنة في الأوساط التقدّمية.

رافضًا هذا التّمشّي مبدئيّا وتكتيكيّا يبدو لي أنّ الوِجهة الطبيعيّة لليسار أمام أي تهديد للسّيادة الوطنيّة يجب أن تكون الجماهير الشعبيّة. يأخذ التّمشي الذي أقترحه شكل التعبئة الجماهيريّة من أجل فرض الإستحقاق والشّعار الوحيد والجامع: الإستفتاء الشعبي حول معاهدة الآليكا.

الإستفتاء كشعار وسلاح سياسي : أمام الهزيمة المرتقبة لليسار البرلماني في الإنتخابات القادمة ونظرا لطبيعة العمليّة الإنتخابيّة يبدو من الخطير الزجّ بالآليكا في هاته اللعبة الدّيماغوجيّة وخلطها بشتّى المسائل الجدّيّة منها والمفتعلة. إضافة إلى أنّه في المناخ الرّاهن من النّفور من السّياسة ونبذ السّياسيّين ليس من الممكن المراهنة على اصطفاف الجماهير وراء قوّة سياسيّة يساريّة وتفويضها للتّصدّي للآليكا. من الممكن حتّى، إذا اقترنت مناهضة الآليكا كثيرا باليسار الإنتخابي (الجبهة الشعبيّة) أن تفقد المعركة مصداقيّتها وتُعتبر “شعبويّة انتخابيّة” ولن تنتظر السّلطة كثيرا للرّمي بمثل هذه التّهم. يمكّن مقترح الإستفتاء من تجنّب هذه الصّعوبات وإيضاح مبدئيّة الموقف واصطفاف اليسار إلى جانب الفئات الواسعة الرافضة للآليكا في الدفاع عن السّيادة الوطنيّة.

على اليسار الذي طال بكاؤه حول عجزه عن “الإنغراس في الطبقات الشعبيّة” إذن الخروج من منطق الوصاية والأبويّة والنخبويّة ومخاطبة السلطة باسم “الشعب” إلى مخاطبة الجماهير والتحرّك تجاهها.2 الدّليل المواطني حول الآليكا هو خطوة إجابيّة في هذا الإتّجاه، تُهيِّئ لشعار تحديد الشّعب لمصيره عبر الإستفتاء الذي أعتقد أنّه من شأنه أن يخلق شعورا بالمسؤوليّة ويُخرِج العديدين من سلبيّتهم. كما أنّه يمكّننا من تجميع أغلبيّة، تضمّ حتى المحافظين، حول مسألة السّيادة الوطنيّة ويصعب على اليسار الإلتحام بها في قضايا أخرى.

زيادة على هذا يمكن أن نجرّ الإتّحاد العام التّونسي للشّغل للعب دوره كـ”منظّمة وطنيّة” (مثلما يقولون) ومساندة مبدأ تقرير الشّعب لمصيره من خلال إضرابات إن تطلّب الأمر ذلك، لكنّي لا أراه مساندًا لشيء من قبيل “تشريك (…) احزاب المعارضة في أي مسار تفاوضي حول الاتفاقيات الدّولية ذات الطابع الاستراتيجي”.

في النهاية أذكّر أنّ السّيادة الوطنيّة ليست غاية في حدّ ذاتها إنّما هي في الظّروف الحاليّة التي يعيشها العالم شرط لتحقيق الحريّة، أي سيادة الأفراد والمجتمع على حياتهم، أي الدّيمقراطيّة.

معلوم أنّ التّصويت بقاعدة الأغلبيّة المطلقة من أسوء الممارسات الدّيمقراطيّة لكنّها الآليّة الوحيدة المتاحة اليوم3 لتمكين الجماهير من المشاركة في تقرير مصيرها. وهو ما يجب أن يرحّب به اليسار ويدفع نحوه. لا أجهل أنّ “الشّعب” في انقساماته وتنوّعه لا يفرز أغلبيّة تقدّميّة في عديد المواضيع (النّخب أيضا) ولا يمتلك المؤهّلات العلميّة الكافية في عديد الميادين (النّخب أيضا)، وأنّ مستوى وتركيبة الإعلام المهيمن لا تساعد على الإرتقاء بالوعي السّياسي… لكن لعلّ الشّعور بمسؤوليّة المشاركة في أخذ قرارات مصيريّة ومراكمة التّجربة هي الحلّ لإخراج الجماهير من سلبيّتها وتحسين وعيها السّياسي؛ أي تأهيلها للدّيمقراطيّة عبر الدّيمقراطيّة لا من قبل أفراد أو مجموعات تنصّب نفسها وصيّة عليها. هنا يأتي دور التقدميّين لغوض الحملات والمعركة الثّقافيّة والإجتماعيّة والسّياسيّة.

1 حسب الدليل المواطني حول الآليكا

2 « Se dire en colère contre le pouvoir pour ensuite lui transmettre une liste de doléances avec l’espoir qu’il saura y répondre est un classique tunisien. Le réformisme, cette croyance en la capacité de l’Etat d’arranger les choses, d’apporter des solutions aux malencontreux problèmes est un phénomène politique qui touche depuis bien des décennies les intellectuels tunisiens. Cette pétition s’inscrit très clairement dans cette tradition élitiste qui cultive le tête-à-tête avec l’Etat, souvent au détriment de la société. » Malek Lakhal, Des librairies à Facebook: Où est la jeune pensée critique en Tunisie ?

3 في غياب الخيار الثوري المنظم أو التلقائي نستعمل الفصول 3 و50 و82 من الدستور البرجوازي

أعجبك عملنا؟ يمكنك دعمنا وتعزيز استقلاليّتنا !

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *