رأيْ | حول مخاطر التوظيف الرجعي لملفّ “التنظيم السرّي”

 

 رأي – سياسة وطنية – خاصّ

تجنبّتُ حتّى اليوم التعليق على قضية “الغرفة السوداء” أو “التنظيم السرّي للنهضة”. أوّلا، لأنّ الموضوع مازال يكتنفه الغموض، وكذلك لما فيه، نظرا لصلته بملفّ الشهيديْن شكري بلعيد ومحمد البراهمي، من حساسيّة تستوجب التريّث. إلّا أنّ المنحى الذي بدأت تأخذه الأحداث لا ينبئ بخير ويستوجب المصارحة الرفاقية بتقديري. وهذه بعض ملاحظات سريعة حول الموضوع، أعلم مسبقًا أنّها قد لا تعجب بعض الرفاق:

 

  • لم أطلّع بعد (كأغلب التونسيين) على وثائق تؤكد المعلومات الأخيرة لهيئة الدفاع (خاصّة ما يتعلّق بوجود مخطّط لاغتيال السبسي وأولاند في 2013)، لكن هذا تعليقي حول ما أتذكّره ممّا تمّ الكشف عنه في الندوة الصحفية الأولى (بداية أكتوبر الماضي): التسجيلات الصوتية التي تمّ نشرها تثبتُ أنّ مصطفى خذر كان عضوا في تنظيم مخابراتي يسعى لجمع معلومات من مصادر متفرّقة عن الأمنيين وكذلك عن اللوبيات الاقتصادية بالبلاد. وكان يسعى قطعا إلى انتداب بعض الأمنيين “القريبين ايديولوجيا” من النهضة بهدف التعويل عليهم في اختراق الأجهزة الأمنية. كذلك هناك ما يفيد أنّ النهضة كانت تتجسّس على “السلفيين الجهاديين” كأبي بكر الحكيم (وهذا ليس كافيًا لتأكيد أنّها كانت تتحكّم فيهم بتقديري). لكن ما تمّ الكشف عنه واثباته بالأدلّة حتى الآن ليس كافيًا برأيي لتأكيد “ضلوع النهضة في الاغتيالات”.
  • فرغم كلّ المؤشّرات التي تثير الشبهة، لم أرَ – إلى اليوم – أدّلة قاطعة تثبت ذلك. وشخصيا، كنت في البداية أرجّح امكانية ضلوع النهضة في اغتيال بلعيد (لأنّ الرجل كان قد بدأ يشكّل صداعًا لها خلال حكم الترويكا)، لكنّي لم أرَ لها أيّ مصلحة في اغتيال البراهمي. وهو ما يجعلني أفكّر جدّيا في امكانيّة ضلوع أجهزة مخابرات أجنبية في هذه الإغتيالات – بتنفيذ وتواطئ داخلي طبعا – من أجل هندسة الأوضاع على النحو الذي يناسبها. وقد رأينا مثلا كيف رُفع شعار “حكومة التكنوقراط” مباشرة اثر اغتيال بلعيد، ولم يمرّ. ثمّ رُفع مجدّدا – ومرّ هذه المرّة بنجاح – اثر اغتيال البراهمي، ما سمح بوصول مهدي جمعة (مرشّح سفراء مجموعة الثمانية واتحاد الصناعة والتجارة – والذي شهدت فترة حكمه تكريس الخيارات النيوليبرالية و”مقتل القضقاضي” قاتل الشهيد بلعيد). ومن ثمّة تمّ قطع الطريق نهائيًا على تجذير الانتفاضة الثورية على قاعدة اقتصادية اجتماعية وتحويل الاهتمام الشعبي إلى “محاربة الارهاب”. ولذا، لا أفهم بصراحة سبب الإصرار على حصر الاتّهام الجنائي بالنهضة، دون غيرها، وبلا أدلّة قطعية (حسب تصريحات لبعض قيادات الجبهة، تحديدا من التيّار الشعبي).
  • كذلك لا أفهم كيف يمكن لهيئة الدفاع أن تصرّح باعتزامها “تدويل القضية”. بل وأن تصرّح المحامية ايمان قزرارة بأنّه قد يتمّ رفع قضية ضدّ النهضة في واشنطن بدعوى “أنّها حاولت التجسس على سفارة الولايات المتحدة وزرع جواسيس لها هناك”. ما هذا المنطق الأخرق؟ هل صار اليسار حريصًا كذلك على أمن السفارات الامبرياليّة؟!
  • بالمقابل، أفهم، وأساند، الإصرار على كشف أكاذيب النهضة ومماطلة القضاء وطمس الأدلّة والبراهين واخفاء الشهود في قضية الاغتيالات. لكن هل أنّ الالتجاء للسبسي هو الحلّ؟ هل فعلاً هناك في الجبهة الشعبية أو هيئة الدفاع من مازال يصدّق أنّ هذا الذئب العجوز، الذي كذب على شعب بأكمله وغيّر تحالفاته بـ 180 درجة أكثر من مرّة، صادق في سعيه كشف الحقيقة؟ ألم يتاجر بملف الاغتيالات قبل الانتخابات السابقة قبل أن ينساها طيلة خمس سنين؟ ألم يُثبت قبل يومين فقط أنّه مستعدّ لينسى كافّة عنتريّاته “الحداثيّة” ويستقبل ويوسّم ممثّل النظام القروسطي السعودي؟ ثمّ لماذا أصلاً سيكشف سياسي يميني معادي للثورة مثله عن حقيقة اغتيال مناضليْن يساريّيْن ثوريّين؟ إن كان الأمر يتعلّق بمناورة تهدف لتوريط السبسي وفضح نفاقه أمام الشعب، فهذا أمر يستحقّ التفكير. إلّا أنّ الاستناد إلى “صلاحيات السبسي كقائد أعلى للقوات المسلّحة وكرئيس لمجلس الأمن القومي”، فضلا عن حديث رئيس هيئة الدفاع عن “مشروع الدولة المدنية في مواجهة المشروع الاخواني” من قصر قرطاج، يوحي بأنّ هنالك مراهنة جدّية ساذجة على أن الرجل حريص فعلا على كشف الحقيقة وإقامة العدالة.
  • وجود تنظيم سرّي للنهضة ليس سبقًا في حدّ ذاته. الجميع كان يشعر بالأمر حدسًا على الأقلّ. بل وقد أكّده قادة سابقون في الحركة (المنصف بن سالم مثلا)، والجميع يعلم أنّ سيّد الفرجاني، المقرّب من الغنّوشي، هو “رجل المهام القذرة” في الحركة (ألم يكشف موقع “ميديابارت” مثلا عن دوره في التفاوض من أجل بيع البغدادي المحمودي لسلطات طرابلس؟). وحتى أكون صريحًا أكثر، كيف يمكن ليساريّين وثوريّين أن ينتقدوا من حيث المبدأ فكرة وجود “تنظيم سرّي”؟ فلو كنتُ في مكان النهضة، ووصلتُ إلى السلطة اثر هيمنة نظام ديكتاتوري مازال يحتفظ بشبكات نفوذ قوية (خاصة في المؤسسات الأمنية)، لما تردّدتُ في أن يكون لي “جهاز سرّي” يخترق هذه الشبكات ويسعى لتحييدها على الأقلّ (طبعا هدف النهضة كان استعمالها لصالحها، لا تدميرها). المشكلة ليست هنا إذن. المشكلة هي في المصالح الطبقيّة التي تمثّلها حركة النهضة، وفي سياساتها وتحالفاتها وارتباطاتها الخارجية، وممارساتها والخ. وهذا ما يجب التركيز على فضحه شعبيًا بتقديري في الصراع مع هذه الحركة الرجعية العميلة.
  • ومن هذا المنطلق، نعم قد يكون من المفيد فضح الجهاز السرّي لحركة النهضة اعلاميًا وشعبيًا. فذلك سيكشف للناس حقيقة نفاق قادتها وخطابهم المزدوج. لكن هل انّ الإلتجاء للسبسي، غريمها اليوم – وحليفها بالأمس – في السلطة أمر سليم؟ هل أنّ الارتهان للأجهزة الأمنية والقضائية لسلطة مازالت في قبضة اليمين أمر صائب؟ ألسنا بذلك نقع في مخاطرة أن يتمّ التلاعب بهذه القضية، السياسيّة بالأساس، وتوظيفها في صراعات القوى اليمينيّة فيما بينها؟
  • أخشى أنّ المشكل الرئيسي يكمن – مجدّدا – في عدم وضوح البوصلة الاستراتيجية للجبهة الشعبية. إذ يبدو أنّ جزءًا مؤثّرا من قياداتها مازال يراهن على التحالف مع جزء من اليمين ضدّ جزء آخر؛ مع الممثّل الأبرز لليمين “الدولتي/الحداثوي” ضدّ اليمين “المتديّن”. أو هو مازال على الأرجح يتوهّم امكانيّة الاستفادة من التناقضات بينهما. وهذا بتقديري، بغضّ النظر عن الجانب الأخلاقي في الموضوع، تكتيكٌ خاطئ ولا يمكن البناء عليه، طالما أنّك لا تملك قوّة شعبية وازنة تسمح لك بالضغط فعليًا على من تنوي التحالف معه. للأسف لم تفهم قيادة الجبهة الشعبية بعد أنّ أقصر السبل وأنجعها – ولا يعني ذلك أنّ الأمر يسير – لهزم اليمين هو في مواجهته مجتمِعًا. لكن شرط ذلك أن يكون “الشعب” (أي الطبقات الشعبية) معك. وهذا يتطلبّ، فيما يتطلبّ، أن تُقنع الناس (خاصّة من أبناء الطبقات الشعبية الذين مازالوا يساندون اليمين) أنّ جميع تيّارات اليمين ضدّهم وأن لا فرق بينها، وأنّ أبرز دليل على ذلك تحالفها عليهم واجتماعها في تنفيذ نفس السياسات المعادية لمصالحهم. ورغم توفّر فرصة ذلك في السنوات الأخيرة، إلّا أنّ الجبهة، واليسار عموما، لم ينجحا في الاستفادة كثيرا من هذا التحالف اليميني لتوسيع قاعدتهم الجماهيرية.
  • أخيرًا، يبدو واضحًا بتقديري أنّ السبسي والنهضة قد دخلا في معركة “كسر عظام”. سببها المباشر ما يراه السبسي غدرًا من النهضة له، عبر تحالفها مع الشاهد (المسنود أساسا من المؤسّسات المالية الدولية من أجل مواصلة تنفيذ “الاصلاحات”). والرجل، كممثّل لمصالح تحالف “البرجوازية البيروقراطية القديمة” (ومنها تلك المحتكرة للصفقات العمومية مثل كمال لطيّف في مجال المقاولات) مع البرجوازية المافيوزية (سليم رياحي مثلا)، لن يقبل بسهولة إزاحة هذا التحالف من رأس السلطة بعد أن عاد إليها بشقّ الأنفس. وإلى أن يتمّ التوافق مجدّدا بين النهضة (المنصاعة تماما للمؤسسات المالية العالمية، والمرتبطة بتيّار “الامبريالية الناعمة” وعملائها اقليميا تركيا وقطر) والسبسي (أو من قد يعوّضه) الأقرب خارجيا لتيّار “الامبريالية الغاشمة” (ترامب، بتنفيذ اقليمي من الامارات والسعودية والصهاينة)، سيتواصل الصراع على أشدّه حتى انتخابات 2019. أمّا إذا لم يحصل تجديد هذا التوافق، وفي ظلّ الضعف البنيوي للبديل اليساري الثوري، فإنّ البلاد قد تكون عرضة لأبشع السيناريوهات. ولا أظنّ أنّ لليسار مصلحة بالتورّط في ذلك.

 

 

أعجبك عملنا؟ يمكنك دعمنا وتعزيز استقلاليّتنا !

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *