ترجمة | ضدّ “مكافحة الفساد”

ترجمة – اقتصاد سياسي – خاصّ

بنيامين فوجل* (مصدر المقال الأصلي في موقع مجلّة “جاكوبين” التقدّمية الأمريكية)

ترجمة: حمزة ابراهيم

المعركة ضدّ الفساد أصبحت محورا محدِّدا للسّياسة المعاصرة. الجميع من البنك الدّولي إلى دونالد ترامب يشدّد على ضرورة تطهير المستنقع والإطاحة بالمسؤولين المفسدين. لكن من الإنقلاب “البرلماني” الناعم الذي أطاح برئيسة البرازيل السّابقة ديلما روسيف إلى حملة القتل التي يقوم بها الرجل القويّ للفليبّين رودريقو دورتيت ضدّ مجرمين مزعومين فإنّ مكافحة الفساد يمكنها أن تتّخذ ألوانا رجعيّة.

اليسار يعاني ساعيا لإيجاد جواب متماسك لهذا المشكل خاصّة عندما يتمّ توظيف مكافحة الفساد ضدّ حكومات تقدّميّة. عادة ما تجاهل اليسار الفساد كمجرد عرَض خارجي للرأسماليّة لا يستحقّ المعالجة في حدّ ذاته وتعامل مع اتّهامات الفساد كحملات تشويه من اليمين أو استعمل حتّى خطاب “مكافحة الفساد” اليميني بطريقة انتهازيّة لتوزيع الاتهامات.

ولكن إن كان اليسار جادّا حول عزمه استعمال سلطة الدّولة وتغيير طبيعتها فعليه تجاوز الفهم الأخلاقوي لهاته المسألة. لا أحد في كامل مداركه العقليّة بإمكانه الدّفاع عن الفساد. ولكن من دون فهم أصل هذا الدّاء وأسباب أهميّته في اللحظة الرّاهنة لا يمكننا معالجته كمسألة سياسيّة.

 

 ما هو الفساد؟

يترعرع الفساد في بيئة ثقافيّة تكرّس الإفلات من العقاب وفي خضمّ مستويات تنمية ضعيفة. في الحقبة الحديثة، بقايا الأوليغارشيات التي حكمت في الحقبة السابقة (ما قبل الرأسماليّة)، والتي حافظت على مخزون سلطة ذي طابع شخصي، هي مصدر هام للفساد في العلاقات بين الدولة ورأس المال. لكنّ هاته النّزعة تتعزّز حيثما غابت حركات جماهيريّة قويّة بما فيه الكفاية لتضع النُخب محلّ محاسبة. لهذا السبب تحديدا فإنّ الفساد ليس القدر الحتمي للدول المفقّرة، أو التي انحطّت أخلاقيًا، بل هو نتاج لقوى تاريخيّة معيّنة وصراعات الطبقات.

في الواقع مفهوم الفساد قد تغيّر عبر الزمن. هاته الفكرة كانت محوريّة في الفكر والممارسة السّياسيّة طيلة آلاف السنين، كما مثّلت أهمّ ركائز كتابات مثل “نقاشات حول ليفي” لنيكولو مكيافيلي، أو  (The Passions and the Interests)”العواطف والمصالح” لألبيرت أوتو إيريشمان.

النظريّات السياسيّة التقليديّة رأت الفساد كقدر حتمي يجرّ المؤسّسات إلى التدهور إن لم تتدخّل قوّة لتجديدها. في الفلسفة الجمهوريّة، يُضعِف الفساد الصحّة المعنويّة والأخلاقيّة للمجتمع ككل؛ والمعركة ضدّه تقتضي العودة إلى الفضائل المدنية عبر مشروع سياسي مشترك.

كلّ هذا يختلف عن تعريف الفساد الجاري به العمل اليوم في إطار سياسات مكافحة الفساد التي تروّج لها المؤسّسات الدوليّة مثل البنك العالمي، الذي يعرّف الفساد بأنّه “سلوك يخالف القوانين التي تضبط عمل المسؤولين الحكوميّين اتّباعا لمصالح شخصيّة كالثراء أو السلطة أو المكانة”.

يتجاهل هذا التعريف بصفة غريبة الأطراف غير الحكوميّة التي عادة ما تكون ضالعة في عمليّات الفساد – رجال الأعمال الفاسدون الذين يحاولون التأثير على صنّاع القرار بواسطة رشاوي متروكون جانبا كأنّ دورهم ليس أساسيّا. ولكن هذا التغيّر في مفاهيم الفساد يعكس تحوّلا أشمل من فهم السياسة كمجال للحماس والفضيلة المدنيّة إلى مجال لتنافس المصالح.

في الحقيقة، الفساد أكثر من مجرّد مبادلات غير مشروعة. هو استراتيجيّة سياسيّة تتّخذها مصالح معيّنة للتمكّن من مؤسّسات معيّنة أو من الدولة ككلّ أو للتأثير عليها. الفساد هو، في جوهره، خوصصَةً للحياة العامّة.

لرؤية هذا يكفينا النظر إلى المثال الحديث لعائلة الغوبتا. إذ تمكّن رجال أعمال من هاته العائلة الهنديّة الأصل من التحكّم في دولة جنوب إفريقيا. وذلك بمساعدة الرئيس السابق جاكوب زوما (الذي قاموا بشرائه) تمكّنوا من تعيين مسؤولين في الدولة وتحديد استراتيجيّات الصفقات العموميّة والميزانيّة لتوجيه المال العمومي إلى خزائنهم الخاصّة.

في الواقع، القطاع الخاص ليس مجرّد ضحيّة للفساد بل هو مولّد نشيط له. ويشمل هذا رجال أعمال يرشون سياسيّين للتصويت على تحرير بعض الأسواق أو حتى عمليّات تبدو مشروعة فيما يخصّ العلاقة بين السياسة والقطاع الخاص. القطاع الخاص يمكنه إفساد مؤسّسات إلى درجة أن تصبح فيها القواعد غير المكتوبة والممارسات المعمول بها تشجّع المسؤولين العمومين على المشاركة أو غضّ النظر عن ممارسات غير مشروعة.

في نفس الوقت، هناك ممارسات، يصفها معارضوها بالفساد، يمكنها أحينا أن تلعب دورا في إعادة توزيع الدخل القومي. مثلا عندما تعود المحسوبيّة على الناخبين بتحسين البنية التحتيّة أواستثمارات من الدولة أو سكن عمومي. هذا ما تلخّصه العبارة البرازيليّة  “rouba mas faz” (ينهب ولكنه يفعل). إن كان على المرء أن يختار بين سياسي نيوليبيرالي، ربّما غير فاسد ولكنّه سيقلصّ بصفة حادّة النفقات الاجتماعية، وديماغوجي فاسد يمكّن مجتمعه من تحقيق بعض المكاسب، هل يمكننا حقاّ أن نقول أنّ الأوّل هو الأفضل؟

الفساد والتنمية

للفساد النظامي عواقب أكبر من مجرّد التأثير على عمل المؤسّسات. إذ هو نقطة البداية لحلقة من تقلّص الإنتظارات والتطلّعات، تُنتج بدورها اللامبالاة والإحباط السياسيّ. إذا رأى أفرادٌ حزبًا سياسيّا أو حركة على أنّها فاسدة، ومن ثمّة غير قادرة على تحقيق تغيير حقيقي، فذلك التشكّك عادة ما يقودهم للعودة إلى مصالحهم الشخصيّة؛ وفي أفضل الحالات إلى رؤية السياسة بنظرة نفعيّة أو مصلحيّة بحتة. إن كان التغيير السياسي مستحيلا، مالذي يمكن للمرء فعله خلاف الاهتمام بعائلته وراحته الشخصيّة؟

مثل هذا التشكّك سامّ. والفساد النظامي سيسهّل في كلّ الحالات للمسؤولين العموميين تبرير عمليّات الفساد كجزء عادي من السياسة؛ الرشاوي تصبح “هدايا” و “خدمات” والمعاملات الممنوعة تصبح تعبيرات عن “الصداقة” و”المساندة” بدل مساعي لتحقيق مصالح شخصيّة.

بلغت هاته الدوامة الخبيثة حدّا جعل البنك الدولي يعتبر أنّ الفساد اليوم هو العائق الكبير الوحيد أمام التنمية العالميّة. كنتيجة لهذا أصبحت سياسة مكافحة الفساد ركيزة ثابتة لمشاريع التنمية فيما بعد الحرب الباردة، وأخذت طابعا مؤسّساتيّا كجزء من النظام النيوليبرالي العالمي.

خلال إشعاع نظريّات التحديث في الخمسينات والستّينات أكّد عددٌ من أهمّ منظّري التنمية مثل صامويل هنتنجتون أنّ الفساد هو في الواقع محرّك للتنمية. إذ يمكّن من اختصار طريق التراتيب والبيروقراطيّة وجعل الأسواق تشتغل بأكثر سلاسة، وبذلك يسهّل على الشركات العالميّة القيام بعمليّاتها التجاريّة. لم يكن يُنظَر للفساد كشيء خارجي عن عمليّة التحديث؛ بل كنتاج حتمي لها.

عندما دخل جزء كبير من العالم الثالث في أزمة المديونيّة خلال الثمانينات والتسعينات، أساسا بسبب إجباره على إتّباع السياسات النيوليبيراليّة التي وضعها البنك العالمي وصندوق النقد الدولي مقابل قروض، تذرّع الغرب باستعمال “الفساد” كحجّة ليبرّأ نفسه من مسؤوليّة البؤس والفقر والمعاناة التي خلّفها حول العالم. طِبقا لهاته النظرة، لا يعود فشل البلدان المفقّرة في التحديث لأخطاء الخبراء التكنوقراطيين الذين أدخلوا سياسات التعديلات (أو “الإصلاحات”) الهيكليّة. بل هو ناتج عن وباء الفساد الذي ينخر هاته البلدان؛ بلدانٌ متأخّرة جدّا عن الالتزام بالمعايير العالميّة.

وحتى الإخفاقات (حقيقيّة كانت أم مزعومة)، التي عرفتها الجبهة الشرقيّة (معسكر الدول الاشتراكية سابقا، بقيادة الاتحاد السوفياتي) والتجارب الديمقراطيّة الاجتماعية، تمّ تفسيرها أيضا في نطاق الفساد. في التسعينات، عندما سارع المنظّرون الليبيراليوّن ليعلنوا ثبوت أنّ الاشتراكية غير قادرة على الديمومة، أصرّوا على أنّ كل المشاريع المشتركة والجماعيّة مصيرها الفشل؛ لأنّ جشع الأفراد واتّباعهم العقلاني لمصالحهم الشخصيّة يُفسدان هاته الأنظمة. فبالنسبة لهم لا يمكن التحكم بهذه الطاقات (الأنانيّة والجشع) واستعمالها إلاّ في سوق حرّة.

بعد انهيار الإتحاد السوفياتي، أصبح الفساد يُعتبر العائق الأساسي أمام تطوّر العالم الثالث. في 1993، تمّ تبنّي مكافحة الفساد كمكوّن أساسي ضمن السياسة الدوليّة للتنمية من قبل البنك العالمي وصندوق النقد الدولي والأمم المتّحدة. وأمست سياسة مكافحة الفساد تتمحور حول شيء يسمّى “الشفافيّة”؛ أي التقيّد بمعايير تتلاءم مع مصالح رأس المال العالمي. صارت أولويات تيسير حركة الأموال والمعاملات التجاريّة،  لصالح الشركات العالميّة والمؤسسّات الماليّة، هي ركائز مراقبة الفساد. كلّ هذا لم يكن في الحقيقة سوى معركة من أجل حمل البيروقراطيّات المحليّة الحاكمة على أن تكون أكثر استقلالية عن شعبها، وتجنيبها التأثير “المُفسد” للسياسة الجماهيريّة والشعبيّة، وبالتالي جعلها أكثر تبعيّة للمؤسّسات العالميّة التي تراقبها.

التكنوقراط والشعبويّون

يمكن تقسيم السياسات التي تدّعي الوقوف في وجه الفساد إلى نوعين: تكنوقراطيّة أو شعبويّة. النوع الأوّل هو جزء من النظام الاقتصادي والسياسي العالمي الذي تدعمه المؤسّسات العالميّة،
مثل البنك العالمي وصندوق النقد الدولي أو المنظمّات غير الحكوميّة ذات التمويلات الضخمة مثل منظّمة الشفافية الدولية (Transparency International). أمّا سياسة مكافحة الفساد الشعبويّة، فهي تلك التي ترتكز على الترويج للخلاص الوطني من وباء الفساد عبر صعود شخصيّة مسيحانيّة[1] من خارج المنظومة لتطهير السياسة.

تهدف سياسة مكافحة الفساد التكنوقراطيّة إلى نقل السلطة من الناخبين إلى النُخَب المسؤولة، وتضع المعايير الدوليّة المحدّدة لما يُعتبر فسادا وما لا يعتبر كذلك؛ وذلك في اتجاه فتح البلدان لرأس المال العالمي. فيما يُعتبَر تدخّل الدولة في الاقتصاد، والإصلاحات الهادفة لإعادة توزيع الثروة وتوفير الرعاية الإجتماعيّة، إمّا عرضة لأن يستحوذ عليها فاسدون أو كأنواع فساد في حدّ ذاتها أحيانًا (خاصّة بالنسبة لـ”التحرِيريّين”[2] الذين يعتبرون أيّ ضريبة سرقة). هنا يكفينا التساؤل عن الإدانات الطقوسيّة لـ “البيروقراطيّة الضخمة” و”الإجراءات الرسميّة العقيمة”.

تبرزُ مكافحة الفساد الشعبويّة كردّة فعل تجاه منظومة سياسيّة تُعتبر، على نطاق واسع، عالقة في وحل فساد لطّخ جميع السياسيّين والأحزاب بغضّ النظر عن إيديولوجيّاتهم. إذ  يظهر شخص كاريزماتيّ- دائما ما يكون ذكرا- من خارج المنظومة، غير حامل لوصماتها، ليعِد بتطهيرها من النخب الفاسدة التي تسيطر على البلاد، ويدافع عن سياسة مسيحانيّة لإعادة الأمور إلى الصراط المستقيم.

يلعب خطاب مكافحة الفساد دورا هامّا في نشوء حالة اللاسياسة أو معاداة السّياسة: شعور أنّ السياسة لم تعد قاطرة للتغيير الحقيقي. أيّ محاولة لإحداث التغيير من خلال السياسة ستكون حتما ضحيّة للفساد. كلّ المنظومة فاسدة، فقط شخص أو شيء من خارجها سيمكنه إحداث هذا التغيير الهادف. فقط حزب أو قائد أو حركة من خارج المنظومة – أي خارج “السياسة”- سيكونوا قادرين على جلب التغيير. على سبيل المثال ضابط عسكري أو رجل أعمال ناجح. لا يفتح الرفض المنتشر للسياسة أو المنظومة الباب لافتكاك سلطة على الطريقة البولشيفيّة من قبل اشتراكيين ثوريين. على العكس من ذلك، هو يقود إلى صعود سياسيين كاريزماتيين متسلّطين من خارج المنظومة، يَعِدون بالتخلّص من الفساد مثل رودريقو دورتيت في الفليبّين أو زعيم اليمين المتطرّف جايير بولسونارو في البرازيل.

ولو أنّ مكافحة الفساد الشعبويّة لا تكون دائما ذات ميولات محافظة، فإنّها عادة ما تفضّل القوى الرجعيّة. يصحّ هذا أكثر في السياق المعاصر، أين فقدت أحزاب يسار الوسط أو الديمقراطيّة الاجتماعية السائدة مشروعيّتها. تمكّن شعبويّو مكافحة الفساد اليمينيّون، مثل الجبهة الوطنيّة في فرنسا أو رابطة الشمال في إيطاليا، من ملء الفراغ الذي تركه انهيار يسار الوسط.

شعبويّة مكافحة الفساد هي نوع من الأخلاقويّة المتخفّية برداء معاداة السياسة.  الحلّ هو طرد الأشرار من كراسي الحكم. تتمّ فردنة الفساد وشخصنته لتصبح نخبة منعزلة من سياسيّي يسار الوسط رمزا لكلّ ما هو فاسد وباطل. ينجح هذا خاصّة عندما يكون قريبا من الحقيقة (مثلا في حالة هيلاري كلينتون). ولكنه يمكن أن يشتغل أيضا عبر استعمال معجم الكره الطبقي والجنسانيّة[3] والعنصريّة؛ فمثلا في حالة ديلما روسيف (البرازيل) تمّ التعويل على احتقار الفقراء. تشخصن مكافحة الفساد السياسة بينما تتجاهل الحوافز الهيكليّة التي تنتج الفساد النظامي. المفارقة أنّها تعطي السلطة لقادة يخدمون مصالحهم الضيّقة كدونالد ترامب وسلفيو برلسكوني.

تشترك سياسات مكافحة الفساد الشعبويّة والتكنوقراطيّة في نزعة معاداة الديمقراطيّة. تذهب الأولى إلى الإستهزاء بالنظام السياسي الديمقراطي كنظام فاسد، وتصوير احترام الإجراءات القانونيّة على أنّه عائق أمام محاربة الفساد. “فقط، قم بتصفية هؤلاء الأوغاد” أو “إرم بهم جميعا في السجن”، وإلى ذلك من المزايدات التي تمثّل مكوّنًا أساسيًا لخطابها. أمّا سياسة مكافحة الفساد التكنوقراطيّة، فهي تنظر للتعبئة والتحرّكات الجماهيرية وللنقاشات الإيديولوجيّة حول السياسة على أنّها غير شرعيّة ومؤدّية للفساد.

أحيانا، يمكن أن تنصهر صيغتا مكافحة الفساد الشعبويّة والتكنوقراطيّة. أكثر مثال يبلور هذا هو حركة النجوم الخمسة الإيطاليّة التي تدافع عن نوع من الشعبويّة اللاسياسيّة، حيث يجب أن تُفتكّ السلطة من أيادي الطبقة السياسيّة الفاسدة وتودع في أيادي خبراء تتمّ مراقبتهم عبر الانترنات من قبل جمهور من الناشطين. على أرض الواقع، تعوّض هاته الطوباويّة التكنولوجيّة الحراك الجماهيري والنقاشات الوطنيّة، والعديد من التجلّيات الأخرى للتشاركيّة في الحياة السياسيّة، باستطلاعات الرأي المستمرّة عبر الانترنات. وفي الحقيقة، نظرا لاستبعاد كل منظّمة سياسيّة فعليّة وللنقاشات التي يمكن أن تثيرها، ستقوم هاته الكتلة المبعثرة عبر الانترنات بإضفاء شرعيّة “إرادة شعبيّة” مزيّفة على قرارات قادة الحركة.

تجمع هاته الحركة فعلا بين الصيغتين الشعبويّة والتكنوقراطيّة لسياسة مكافحة الفساد. وحتّى لو تجاوزنا النزعات المعادية للديمقراطيّة التي تجمع بين المقاربتين، سنجد أنّهما تشتركان في نفس النواة التي تتمثل في الإيمان الألْفي[4] بأنّ قوّة خلاص ما، تكنولوجيّة كانت أم زعاميّة، يمكنها القضاء على علّة الفساد وحِفظ الوطن.

المفارقة هنا أنّه بتخليص السياسة من ضوابط وموازين المساءلة الديمقراطيّة، تؤدّي سياسة مكافحة الفساد، التكنوقراطيّة تحديدا، إلى فقدان الأمل في السياسة، وهو ما يساهم بدوره في ترعرع الفساد. تنأى هاته السياسة بالمسؤولين الفاسدين عن المساءلة أمام الشعب وتترك رسم سياسات مكافحة الفساد لقطاع خاصّ، غالبا ما لا تكون له مصلحة في مكافحة الفساد. شعبويّة مكافحة الفساد تحوّل السياسة إلى مجرّد مسألة أخلاقويّة عادة ما تُفقد النضال الجماهيري شرعيّته كحامل للتغيير الحقيقيّ.

تجريم الديمقراطيّة الإجتماعيّة

حتّى نبلور بصفة ملموسة أكثر عيوب سياسة مكافحة الفساد، لعلّه من المجدي التأمّل في مثال البرازيل. هنا، ساهمت الإحتجاجات الجماهيريّة المناهضة للفساد ضدّ ديلما روسيف وحكومتها حكومة حزب العمّال سنة 2015 في فتح الباب أمام الإنقلاب “البرلماني” الناعم الذي أسفر عن  انتكاسة عن عقود من الحقوق الإجتماعيّة.  تلت الإحتجاجات تحقيق لافا جاتو[5] التاريخي، الذي أسفر عن سجن الرئيس السابق لولا دا سيلفا بأدلّة واهية وتورّطت فيه تقريبا كامل الطبقة السياسيّة البرازيليّة. لكنّ الهدف الحقيقي كان شيئا آخر.

مدعوما من قبل وسائل الإعلام الخاصّة الكبرى، التي يهيمن عليها ريدي قلوبو، تحوّل تحقيق لافا جاتو إلى حدث وطني تُخصَّص له يوميّا عناوين كبرى حول البحث والملاحقات القضائيّة لقياديين في حزب العمّال. تمّ تحويل الشخصيّة الأساسيّة في لافا جاتو، القاضي سارجيو مورو[6] ، إلى نجم عالمي لمكافحة الفساد.

عقب نداءات في وسائل الإعلام نزل المئات من البرازيليين، أغلبهم من الطبقة الوسطى، إلى الشارع للاحتجاج ضدّ الفساد. ورغم مشاركة الطبقة العاملة وحتّى منظّمات عمّاليّة، فإنّ الطبقة الوسطى هي التي قادت الإحتجاجات إجمالًا. تمّ دعم هذه المظاهرات من أطراف مشبوهة تشتغل في مكافحة الفساد مثل حركة الحريّة للبرازيل، الممولة من قبل الإخوة كوش (Koch brothers )، والشبكة الغامضة من أموال الحركات التحرّرية (اللبرتاريّة) والأحزاب اليمينيّة الدوليّة.

أصبحت مكافحة الفساد بمثابة صيحة استنفار لتجميع أعداء حزب العمّال. لكن ما يجب ملاحظته هو أنّه تمّ استعمال عبارة “مكافحة الفساد” كسلّة جاهزة لحمل كلّ أنواع المناوأة للسياسات الاجتماعية للحزب. فرغم أنّه لم يقم بقطيعة مع النيوليبيراليّة، شهد زمن حزب العمّال في السلطة إجراءات اجتماعيّة تاريخيّة مثل الترفيع في الأجر الأدنى ومِنح رعاية اجتماعيّة وتخصيص أماكن للطلبة الفقراء في جامعات النخبة.

تمّ تمثيل هذه السياسات الاجتماعيّة المعتدلة على أنّها تُفسد النظام “الإستحقاقي” الطبيعي بالنهوض – غير المستحقّ – بالمستوى المعيشي للفقراء. صوّرت وسائل الإعلام اليمينيّة التأمين الاجتماعي على أنّه رشوة للفقراء والطبقة العاملة. تمّ استهداف محاولات تجديد التنمية وإنعاش القطاع الصناعي البرازيلي المتهاوي، بتعزيز قطاعات معيّنة من رأس المال الوطني وخاصّة قطاع البناء والمؤسّسات العموميّة، بصفة خاصّة من قبل نشطاء مكافحة الفساد. أعاقت حملة “لافا جاتو” تلك المجهودات، وصدّت بمعيّة أحزاب المعارضة حزب العمّال عن معالجة الأزمة الإقتصاديّة. تمّ استعمال لافا جاتو لتصوير تدخّل الدولة في الاقتصاد كنوع من الفساد في حدّ ذاته. النتيجة كانت تجريم الديمقراطيّة الإجتماعيّة المعتدلة واليسار من خلال خطاب مكافحة  الفساد.

شملت فضائح الفساد ميشال تامر، الرئيس الأقلّ شعبية منذ انتخابه، وحكومته. ولكن رغم تورّطه الكبير في لافا جاتو لم يواجه الملاحقات والمحاكمة. استهدفت احتجاجات مكافحة الفساد حزب العمّال فحسب، فيما تمّ التعامل بلامبالاة مع حكومة تامر وإجرامها الواضح من قبل نفس القوى التي طالبت برأس ديلما.

الديمقراطيّة والمبادئ الأخلاقيّة

إطلاق نداء للشعب حتّى يتجمّع ضدّ نخبة فاسدة هو ملمح اعتيادي في الخطاب السياسي اليساري، وكان له مثلا دور مفصلي في الفوز الإنتخابي التاريخي لأندرياس مانوال لوباز    أوبرادور في المكسيك. غير أنّ هذا النوع من السياسة غالبا ما يزرع بذور انهياره. حكومة يسار وسط أو حكومة اشتراكيّة تأتي للحكم على أساس برنامج مكافحة فساد تغدو عرضة لفقدان مساندة جماهيرها وانهيار معنويّاتهم في حال تورّطت في فضائح. لهذا السبب فإنّه على اليسار أن يتجاوز خطاب مكافحة الفساد الأخلاقوي السهل، خاصّة إن كنّا جادّين في عزمنا افتكاك السلطة.

واجه اليسار تحدّي إقناع عموم الناس لا فقط برفض النظام الحالي بل بأنّه يمكن تغييره عبر الفعل الجماعي في صراع سيستوجب تضحيات. مهمة اليمين أيسر بكثير في هذا الشأن، إذ أنّ كلّ ما عليه فعله عادة هو إقناع الناس بالبقاء في بيوتهم والاهتمام بشؤونهم الخاصّة. يمثّل الفساد والحركات المناهضة له  تحدّيا جسيمًا لليسار، لأنّ كلاهما يوجّه السياسة إلى نفس الملعب، وفي آن واحد يغذّيان الإحساس بأنّها – أي السياسة –  لا يمكن أن تكون سوى ميدان لخدمة المصالح الشخصيّة.

يستلزم افتكاك السلطة حتما درجة من التنازلات؛ بعض مكوّنات المشروع السياسي سيتمّ امتصاصها من قبل جهاز الدولة، وسيكون على كلّ من يحكم مؤسّسات تدار حسب أعرافها الخاصّة غير المكتوبة الاستناد إلى تبادل المصالح والنفوذ. غالبا ما ستضطرّ حكومة يساريّة للإلتجاء إلى التحالف مع حلفاء بغيضين، مثلما هو عليه حال “سيريزا” في اليونان.

ينتج عن كلّ هذا استيعاب إطارات هامّة ومفكّرين في بيروقراطيّة تُشجّع لا فقط على التفاوض، بل على المساومة. في ذات الآن سيتوافد الإنتهازيون إلى حزب ناجح بحثا عن المراكز، حتى ولو اختلفوا مع مبادئه الأساسيّة.

يمثّل الفساد إذن تحدّيا هامّا لذلك اليسار المعني بافتكاك السلطة. من السهل جدّا على يسار، في المعارضة الدائمة ومهتمّ أساسا بصيانة نقاء سمعته، أن يعتنق التشكّك الأخلاقوي حول من هم في السلطة من دون التفكير في انعكاس ذلك على الإيمان بالتغيير السياسي في حدّ ذاته. الروايات النمطيّة حول قادة يخونون صراع أو ثورة العمّال لا تختلف كثيرا عن الخطاب المحافظ حول التأثيرات المفُسدة للسلطة على المشاريع التي ترمي، باستعمال الدولة، إلى تحقيق أهداف تقدّميّة.

تستوجب سياسة مكافحة فساد يساريّة إنجاز مهمّتين أساسيّتين: أوّلا، تسييس الفساد بطريقة لا تكون أخلاقويّة ولا تكنوقراطيّة. ثانيا، يجب عليها الحدّ من مصادر الفساد النظامي، وهي أساسا سلطة النخبة واللامساواة. لا يمكن محاربة منابع الفساد النظامي إلّا بصراع سياسي يرمي إلى إحداث إصلاحات هادفة مرتبطة بسياسات اجتماعيّة تدفع نحو المساواة.

لتجنّب استيعابه من قبل الدولة وآليّاتها المواتية للفساد يجب على اليسار في السلطة أن يحدث مؤسّسات تمكّن حكومات يساريّة لاحقة من البناء على أساسها. هذا يتطلّب إصلاحات سياسيّة هامّة وإجراءات لإضعاف أعداءه داخل جهاز الدولة. ولكن فرض مثل هذا التغيير، وهو ربما الرهان الأكبر لسياسة مكافحة فساد يساريّة، يستند إلى السيادة الديمقراطيّة من خلال النشاط الجماهيريّ. يجب علينا مكافحة الفساد لا فقط بالتباهي بعلويّتنا الأخلاقيّة بل من خلال الصراع في سبيل توسيع مجال الديمقراطيّة.

(*): باحث دكتوراه في جامعة نيويورك، وهو كاتب مساهم في مجلّتيْ “جاكوبين” و”آفريكا ايز أُ كاونتري”.

[1] Messianic

[2] Libertarians

[3] Sexism

[4] Millenarian

[5] غسيل سريع

[6]إنضمّ هذا الأخير مؤخّرا إلى حكومة اليمين المتطرّف التي يشكّلها جايير بولسونارو https://www.lesinrocks.com/2018/11/02/actualite/le-juge-qui-condamne-lula-devient-ministre-de-bolsonaro-111139991/

أعجبك عملنا؟ يمكنك دعمنا وتعزيز استقلاليّتنا !

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *