شركة طينة للخدمات البتروليّة: نموذج للإفلات من العقاب في مجال التلوّث البيئي

تُعتبَر القوانين والتشريعات المحدّد الأساسي لنطاق عمل أيّ مؤسّسة ووسيلة الحماية الأولى للمواطن. لكن في بلادنا تبقى جلّ القوانين التي يفترض أن تحفظ حقوق المواطنين، خاصّة المفقّرين منهم، صورية رغم صرامة النص ووضوحه.

من ذلك النصوص المتعلقة بالبيئة وحماية المحيط. فرغم أهمّية ما نجده فيها من جوانب جزائية وردعيّة، تبقى مجرّد وثائق تُدرَّس بجامعات الحقوق، سُرعان ما يلفّها النسيان بعد ذلك ولا يتمّ تطبيقها. من ذلك ما جرى في منطقة طينة بولاية صفاقس.

 

شركة طينة للخدمات البتروليّة: نموذج للإفلات من العقاب في مجال التلوّث البيئي

علم موقع انحياز أنّ شركة طينة للخدمات البترولية كانت محلّ مخالفة بيئيّة وصف ضررها بـ “الخطير جدًا”، من قبل المندوبية الجهوية للتنمية الفلاحية بصفاقس بتاريخ 15 أكتوبر 2017 في منطقة فلاحية على طريق منزل شاكر، وأنّها لحدّ كتابة هذه السطور لم تتخّذ الإجراءات المطلوبة للحدّ من هذا الضرر.

وتفيد الوقائع أنّ المندوبية الجهوية للتنمية الفلاحية بصفاقس حرّرت مخالفة ضد شركة طينة للخدمات البترولية، على خلفية الاعتداء على الملك العمومي للمياه. وقد جاء بمحضر المخالفة، الذي حصل موقع انحياز على نسخة منه، أنّ الشركة حفرت بئريْن لولبيّتين دون ترخيص وقد خالفت بذلك القانون عدد 16 لسنة 1975 المتعلّق بإصدار مجلّة المياه والفصل 75 منها، إضافة إلى قانون 1978 المتعلق بشروط التنقيب واستغلال المياه الجوفية.

نسخة من محضر المخالفة

وأوضح التقرير أنّ الشركة  تضخّ كمّيات ضخمة من المياه الصناعية الملوّثة وغير المعالجة بالطبقات الجوفية. وهي مياه مستخرجة من الخزانات البترولية وتؤثّر سلبا على المياه الجوفية بباطن الأرض وعلى المنتوج الفلاحي. وقد عدّد قانون 1975 هذه الآثار وحجّر العمليات  والأنشطة  التي” تضرّ بالتزود بالماء الصالح للشراب، الصحة العمومية، الفلاحة والصناعة وجميع النشاطات البشرية الأخرى ذات المصلحة العامة”. كما شمل نفس القانون: الحياة البيولوجية للوسط المتلقي، وخاصة الأسماك، وكذلك وسائل الترفيه المتصلة بالرياضات البحرية وحماية المواقع الطبيعية وحفظ وضمان سيلان المياه.

وصنّف محضر المندوبية الجهوية للتنمية الفلاحية الضرر بـ”الخطير والخطير جدًا”، بما أنه يتمثّل في تلويث الموائد المائية الباطنية. إذ يحتوي الماء المُنتج على: أملاح عضوية ذائبة، قطرات نفط، مركبات عضوية ذائبة، بعض البكتيريا والكائنات الحية، مواد كيميائية تمت اضافتها أثناء الحفر، غازات مثل كبريت الهيدروجين، ثاني أكسيد الكربون، معادن مختلفة.

كما نصّ أن قرار  المندوبية الجهوية على فرض خطية مالية قُدّرت بألف دينار مع ردم البئريْن وإيقاف عملية ضخ المياه في الطبقات الجوفية. الّا أنّ الشركة لم تمتثل لقرار المندوبية واستأنفت اشغالها بصفة روتينية رغم أن القانون يمنع ذلك.

إذ يبدو أن شركة طينة للخدمات البترولية لم تجد في خطية الألف دينار سببا كافيًا لاحترام القانون. وحسب المعلومات المتوفّرة على شبكة الأنترنات، تُعدّ شركة طينة للخدمات البتروليّة TPS  شركة خاصّة متعدّدة الجنسيات. حاليًا، يعود جزء من ملكيّتها إلى الشركة التونسية للأنشطة البتروليّة (التابعة للدولة التونسية) وجزء آخر إلى شركة OMV  النمساويّة. وسبق اتّهام هذه الشركة بالمسؤولية عن تسرّب النفط وتلويث ساحل جزيرة قرقنة.، الأمر الذي نفته أكثر من مرّة.

وهنا يطرح السؤال: هل تمّ تشريع هذا النص القانوني لردع المؤسسات التي تنتهك  البيئة والمحيط وحق الإنسان في بيئة سليمة و في الماء؟ أم أنّه وضع في ظرفيات معينة لتلبية أهداف أخرى؟ فقانون 10 جوان 1996 المتعلق  بالنفايات وبمراقبة التصرف فيها وازالتها، الذي منع تصريحا لا تلميحا، التصرّف في النفايات عشوائيا أو بصفة  تهدد الصحة العامة أو البيئة وأكّد على ضرورة إزالة الضرر ومصدره.

ويُذكر أنّنا لم نستطع الحصول على إجابات أو تعليقات على هذه الأسئلة رغم محاولتنا الاتصال هاتفيًا أكثر من مرّة بمسؤولي الشركة وبمسؤولي المندوبية الجهوية للفلاحة في صفاقس.

مشكلة وطنيّة أشمل

وعليه، تبقى هذه القوانين حبيسة الرفوف وأدراج الوزارات. إذ تُعتبر الشركات البترولية شركات مهيمنة، خاصّة في بلد فاقد للسيادة كتونس. ولو توسّعنا في موضوع هذه الشركات فسنجد ارتباطات عديدة بقضايا التلوث وباستنزاف  الماء، وهي الأزمة  المطروحة بشدّة في السنوات الأخيرة.

ولا شكّ أنّ غياب استراتيجيا لمجابهة التلوث زاد في تعميق الأزمة. فولاية مثل صفاقس بها ما يقارب المليون ساكن تستحوذ على نصيب وفير من المصانع والشركات الملوثة (بتروفاك، طينة للخدمات البترولية، المجمع الكيميائي بطينة، المجمع الكيميائي بالصخيرة، المنطقة الصناعية بعڨارب، المجمع الكيميائي بصفاقس “السياب”).

ويمكن الحديث عن نفس المشكلة تقريبا في قابس وقفصة وعديد الولايات الأخرى.  ففي الكثير منها شركات انتصبت منذ عقود دون أن تقدّم وسائل وطرق معالجة  مشكل تفاقم النفايات الصناعيّة وما أدّى إليه من تلويث باطن الأرض وتفاقم الأمراض.

 

وقد جاء في التقرير السنوي لدائرة المحاسبات لسنة 2011 أن الغاز الطبيعي المحترق  بحقول الإنتاج سنة 2010 بلغت نسبته 11 % من الكميات المُنتَجَة، ما يتسبب في إلحاق اضرار بالمحيط وفي إهدار جانب من الثّروة الوطنية من الغاز.

و ذكر التقرير أيضا أن  التّشريع التونسي لا يتضمّن منعا صريحا لعمليات حرق الغاز، عدا الفصل 47 من مجلّة المحروقات الّذي ينص على أن تتضمن خطّة تطوير الامتياز دراسة حول تثمين الغاز المصاحب. وذلك على عكس التّشريع الجزائري الذي لا يجيز حرق الغاز إلاّ بصفة استثنائية ولمدة محدودة لا تتجاوز 90 يوما ومقابل تسديد رسم خاص للخزينة.

 

وذكر التقرير أيضا أنّه ” يمكن فنّيًا تثمين الغاز وتفادي حرقه عبر إعادة حقنه بالحقول أو اعتماده لإنتاج الكهرباء. غير أن أصحاب الامتيازات لا يلتزمون دائما بالحلول الهادفة إلى تثمين الغاز والمتّفق عليها في إطار اللّجان الفنية المشتركة. ويذكر في هذا الخصوص شركة “إني” الّتي لم تلتزم بالحلول الفنية المتّفق في شأنها مع المؤسسة التّونسية للأنشطة البترولية بامتياز آدم والّذي بلغت كميات الغاز المحروق به في سنة 2010 ما يساوي 93 مليون متر مكعب ”

 

ويُعدّ غياب الدراسات واستراتيجيات ثمين النفايات من بين أهم الأسباب التي زادت في  توسيع  الأزمة بكامل البلاد التونسية. زد على ذلك عدم الإمتثال إلى القوانين وغياب الرقابة الفعلية والمتواصلة.

و تبقى الإجابة الوحيدة لوزارة الطاقة هي أن مثل هذه الشركات توفّر نسبة كبيرة من مواطن الشغل، وأن غلقها سوف يضرّ بالاقتصاد، وأنّها تقوم بمعالجة النفايات عكس ما يتمّ  الترويج له.

 

 

 

 

أعجبك عملنا؟ يمكنك دعمنا وتعزيز استقلاليّتنا !

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *